تقدّم فرانسواز هيريتييه في كتابها ( فكر متحرك ) رؤيتها حول مختلف المشاكل الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تعاني منها المجتمعات الغربية عامّة في الحقبة الراهنة. هذا من موقعها كباحثة علمية في المقام الأول وأيضا من خلال موقفها كمثقّفة ملتزمة وكمناصرة تاريخيا لحقوق المرأة وللدفاع عن حقوق الضعفاء في جميع أنحاء العالم.
وتقول المؤلفة إنه بسبب بعض المحطات في حياتها وبعض الذين وضعهم القدر في طريقها وجدت نفسها قريبة من اهتمامات كانت بعيدة عنها في الأصل. وفي مقدّمة الأشخاص الذين كان لهم أثر كبير في توجيه اهتماماتها كلود ليفي ستروس. نقرأ: «أثناء فترة شبابي كنت مهتمّة بالجغرافيا والتاريخ ـ بالبعيد والماضي ـ أكثر من اهتمامي بـ الواقع المباشر وبالحقبة الراهنة ـ هنا والآن ـ . لكن لقائي بكلود ليفي ستروس غيّر مسيرة حياتي ووجّهني نحو دراسة المجتمعات الإنسانية وعلاقاتها الراهنة».وتؤكّد منذ البداية أنه من السذاجة الاعتقاد أن مثل هذه الدراسات النظرية يمكنها أن تغيّر مباشرة ذهنيات البشر. وتؤكّد أنها لا تمتلك «الزعم ولا السذاجة» للاعتقاد بذلك. لكنها يمكن لهذه الدراسات أن تساهم في حشد المعارف التي قد يؤدّي تكدسها إلى تطوير العلاقات على صعيد العلاقات بين الرجل والمرأة والعلاقات داخل الأسرة والعلاقات بين المجموعات البشرية التي تتألف منها المجتمعات.
وتؤكّد فرانسواز هيريتييه منذ البداية أنها تعلّمت لدى الجدّات «الأسس الأوليّة لمنظومة القرابة». لقد كانت مراهقة آنذاك حيث وجدت نفسها مع امرأتين طيلة فترات العطل المدرسية. لقد كانتا «تغزلان الخيوط وهما جالستين على كرسيين صغيرين. وبحكم أنهما لم تكونا تكنّان عواطف ود متبادلة كن يتبادلن الحديث عن الموضوع الوحيد الذي لا يثير أية إشكالية وهو موضوع علاقات القرابة».
لقد ترددت آنذاك أحاديث مثل «ابنة مارتين التي تزوّجت ابن الخبّاز كانا قد التقيا أثناء زواج ابنة عم الخبّاز مع أحد أبناء عمومة مارتين». وانطلاقا من هذه الأحاديث بدأت مؤلفة هذا الكتاب،كما تقول، في الاهتمام بموضوعة منظومة القرابة التي قدّمت حولها فيما بعد عددا من الأطروحات المتداولة حاليا في الأوساط العلميّة باعتبارها مرجعيات.
كذلك تقوم المؤلفة بشرح المقولات والمفاهيم المعقّدة الخاصة بعلوم تطوّر المجتمعات البشرية بطريقة مبسّطة تجعلها مفهومة للجميع. لكن يبقى الخط الناظم للتحليلات المقدّمة هو وجود نوع من «الخيط الأحمر» يتمثّل في العلاقة بين الطبيعة وبين الثقافة وبين ما هو فطري لدى البشر وما هو مكتسب.
وتجد المؤلفة العديد من مرجعياتها في الكتاب الصغير لكلود ليفي ستروس الذي يحمل عنوان: «النيّء والمطبوخ». ذلك على أساس أن الطبخ «عمل ثقافي» يتدخل فيه الإنسان لتغيير طبيعة المواد.
ويتم التأكيد باستمرار أن جميع البشر ينطلقون من ملاحظة الواقع المحيط فيهم لصياغة منظومات تضبط قواعد التعامل بينهم. ذلك على أساس قاعدة تصوغها المؤلفة بالقول: «إن البشر، ومن خلال معطيات الواقع الذي يراقبونه، يقومون ببناء منظومات ومفاهيم تتم ترجمتها بقواعد اجتماعية وبمرجعيات وقيم».
ومن خلال التجربة الشخصيّة تبيّن فرانسواز هيريتييه قسوة الواقع الذي تعيشه المرأة،وليس في البلدان المتخلّفة فحسب، بل أيضا في المجتمعات المسمّاة بالديمقراطية. وتروي أنه لم يتم السماح لها عام 1957 القيام بمهمة بحث تتطلّب السفر إلى خارج فرنسا لسبب وحيد هو أنها امرأة. وهي تقوم في هذا السياق بدراسة التطورات الاجتماعية الخاصّة بمكانة المرأة من خلال دراسة أنماط التربية التي يتلقاها الذكور والإناث في مختلف المجتمعات ونتيجة هذا على التعامل مع الجسد الإنساني.
وإلى جانب المفاهيم النظرية التي تقدمها فرانسواز هيريتييه يبدو بالوقت نفسه أنها امرأة تكنّ الكثير من الحب للقارّة الإفريقية السوداء وأنها تحسّ بما تسميه «قوّة عبق الأرض الإفريقية الممزوجة بالتوابل وبالحرارة». وترسم لنفسها صورة امرأة ليس هناك ما يهم البشر ولا يثير اهتمامها. وهكذا أعطت الكثير من جهدها ووقتها لشعوب إفريقيا التي تبدو بعيدة جدا عن شعوب أوروبا «المتمدّنة» ولكنها تمتلك «بشرا يشابهون» البشر «المتمدنين»، على حد قولها.
المؤلفة في سطور
تعمل فرانسواز هيريتيية، مؤلفة هذا الكتاب،أستاذة في الكوليج دو فرانس،أرفع مؤسسة علمية فرنسية، وفي المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية. قدّمت العديد من الكتب في مجال الدراسات الاجتماعية لاقى اثنان منها نجاحا كبيرا هما «مذكّر ومؤنّث» و«أختان وأمهما».
الكتاب: فكر متحرّك
تأليف: فرانسواز هيريتييه
الناشر: اوديل جاكوب باريس 2009
الصفحات: 453 صفحة
القطع: الصغير
Une pensée en mouvement
Françoise Héritier
Odile Jacob -Paris 2009

