في لقاء نادر، مد موقع «ترانس أتلنتكا» الثقافي جسور الحوار مع الروائي الأميركي ريتشارد بوتش بمناسبة صدور روايته الحادية عشرة مؤخراً، بعنوان السلام، حيث أشار إلى أن جوهر ما يحاوله في هذه الرواية هو إلقاء الضوء على الورطة الأخلاقية التي تثيرها الحرب، وتطرق إلى عملية الكتابة كما يفهمها ويمارسها باعتبارها مرادفة للحياة في قلب الصعوبات عبر الصبر والاستعداد لمواجهة الفشل وتحدث عن أبرز كتاب الجنوب الأميركي الذين تأثر بهم. وفيما يلي نص الحوار:
الأخلاقية للحرب
تبدو رواية «السلام» التي أصدرتها، مؤخراً، عملاً حافلاً بالأبعاد، على الرغم من أنها تقع في أقل من مئتي صفحة، ما الذي تراه الأكثر أهمية في الأبعاد التي تنطق الرواية عبرها؟
تميل هذه الرواية إلى الإيجاز، حيث في 176 صفحة بالفعل، لكنها تطمح إلى التحليق عالياً عبر آفاق رحبة، فهي تروي ما الذي يحدث عندما يمضي مجندون قريبو العهد من الحياة المدنية لخوض غمار الحرب، والقارئ يلتقي عبر صفحاتها، بصفة أساسية، مع ثلاثة جنود يرتقون جبل كاسينو في ايطاليا في عام 1944، الذي اتسم بالوحشية والضراوة، وعلى الرغم من أن مهمتهم ذات طابع استطلاعي، حيث تستهدف معرفة ما الذي يقوم به الألمان على الجانب الآخر من الجبل، إلا ان ما نعرفه هو الحالة الذهنية والنفسية التي يعيشونها بعد اطلاق النار على ضابط كرواتي والقتل المجاني للعاهرة التي كانت بصحبته.
وهؤلاء الجنود لا يواجهون الجبل ولا الجليد المنهمر بلا انقطاع بقدر ما يواجهون الورطة الأخلاقية التي تطرحها الحرب على من يخوضون غمارها وما البرد والجليد والجبل إلا الإطار الذي يبرز مقومات هذه الورطة المعقدة.
تقوم بتدريب الكتابة الإبداعية في جامعة جورج ميسون في فيرفاكس بولاية فرجينيا. فما الذي تقوله لطلابك حول عملية الكتابة؟
هذا السؤال من شأنه ان تقتضي الإجابة عنه تأليف كتاب بكامله، فدعني أشر إلى أن طلابي هم من الشبان الذين يتمتعون بالموهبة ولديهم مجموعة كاملة من إساءة الفهم فيما يتعلق بالمهمة التي يتعين عليهم القيام بها، وهي كتابة النثر الإبداعي.
حيث لا يزال يتعين عليهم العثور على صوتهم، وهم يشعرون بالقلق فيما يتعلق بذلك، ومهمتي هي تمكينهم من أن يكونوا ذواتهم من دون أن يشعروا بالقلق الشديد حيال ذلك، وعليهم أن يكتبوا وأن ينخرطوا في العمل وأن يدركوا أن الأمر كله يتم إنجازه في غمار الفوضى والشك، وأن هذا أمر يصعب دوماً إنجازه بشكل جيد، وأن على المرء ان يتعلم العيش في غمار هذه الصعوبة. وأنا أحب القول إنني لا أقوم حقاً بتدريس الكتابة، وإنما أدرس الصبر والعناد والصمود والاستعداد لمواجهة الفشل في انجاز شيء جيد.
هل تعتبر نفسك كاتباً أميركياً جنوبياً؟
لست أهتم بالتوصيف، ولكنني أكتب لأي شخص يستطيع القراءة، ولأي شخص سيتمكن من القراءة يوماً.
هل تتحدث عن الجنوب في بعض أعمالك؟
في بعضها وفق تقدير. فالكثير من شخصياتي تعيش في الجنوب أو أنها جاءت من هناك. ولكنني معنيى على الدوام بصفة أكبر بالمناطق الداخلية.
هل تقرأ لكتاب جنوبيين؟
نعم، نعم حقاً.
من على وجه التحديد؟
فوكز، بالطبع، وإن كنت أحبه الآن على نحو يقل مما درجت عليه في السابق، فقد ضجرت إلى جد ما من ذلك الموقف الحداثي وكل ذلك التلاعب باللغة، وهو أمر مضجر عندما تضطر لاستيعابه بجرعات كبيرة. وهناك أيضاً العظيم ووكر بيرسي وفلانري أو كونور وكذلك تنبسى وليامز وايدورا ويلتي صديقتي القديمة، وهنالك الكتاب الذين لا يزالون على قيد الحياة، ومنهم جورج جاريت، ماري لي ستيل، جيم ماكوركل، لي سميث، ريتشاردفور، الين وير وأخي التوأم روبرت بوتش.
أتيت على ذكر ويلتي، ما الذي يجتذب في أعمالها على وجه التحديد؟
من الأعمال المفضلة لدى قصتها العظيمة «الرجل المصعوق»، حيث تقول إحدى الشخصيات في السطور الأخيرة للقصة: «إذا كنت بمثل هذا الذكاء فلماذا لم تصبح ثرياً؟».
وقد قلت لها في إحدى الحفلات ان هذا السطر يمكن أن يندرج في ختام قصة فلانري أو كونور بعنوان «أهل الريف الطيبون». وهي قصة يقوم فيها رجل يدعى بيع نسخ من الكتاب المقدس بوضع امرأة متعلمة ومتعالية في مأزق دقيق وقد لويلتي إن هذا السطر من ختام قصتها «الرجل المصعوق» يناسب نهاية هذه القصة على وجه الدقة فأحبت قولي هذا وأقرتني عليه أيضاً.
في تناقض مع روايتك «السلام» التي تقع في أقل من مئتي صفحة نجد أن روايتك «مرحباً بأكلة لحوم البشر» تقع في 600 صفحة، فهل هما أطول أعمالك وأقربها إليك؟ ولماذا؟
كلتا الروايتين جرى تأليفهما على هذا النحو، وعندما بدأت في تأليف «مرحباً بأكلة لحوم البشر» لم تكن لدي أي فكرة عن أنها ستطول على هذا النحو. وفي حقيقة الأمر أنني عندما بعثت إلى الناشر باقتراح إصدارها مصحوباً بعدة صفحات كنت أقدر أنها ستقع في حوالي 95 ألف كلمة وأنني سيمكنني تسليمها للناشر في غضون عام من إرسال الاقتراح. وكنت على خطأ فقد استغرقت في انجازها أربع سنوات ووصل طولها إلى 201 ألف كلمة.
من حيث تصنيف الروايات في أي فئة يمكنك إدراج هذه الرواية؟ هل هي رواية تاريخية؟ أم أنها نص روائي ابتلعه التاريخ؟
لست أفكر بصورة عامة في أعمالي من حيث الفئة التي تنتمي إليها، وأعتقد أن هذه الرواية يمكن ان تصنف على أنها رواية تاريخية، ولكن بالنسبة لي فإن الأمر كله بمثابة رمز وتأمل في شجاعة المرأتين اللتين تلعبان دوري البطولة في الرواية.
هل لك في أن تحدثنا عن روايتك «الطريق المؤقت»؟ ما الذي يجعلك تتناول هذه الرواية في الحوارات التي تجري معك دائماً؟ ما الذي يميزها عن رواياتك الإحدى عشرة الأخرى؟
هذه الرواية استغرقت في انجازها وقتاً طويلاً، شأن معظم رواياتي الأخرى، وعندما اقتربت من الانتهاء منها لم أكد أصدق ذلك. وهي في جوهرها رواية حب تدور في إطار كوميدي، وهو إطار لم أعتمده كثيراً في أعمالي الروائية والقصصية على حد سواء.
كم من رواياتك هي أصلاً قصص تجاوزت الحدود التي وضعتها لها كقصص لتصبح روايات طويلة؟ هل تكتب الروايات والقصص بصورة متزامنة؟ وهل تعرف على الفور أي المواد ستصبح قصصاً وأيها ستغدو روايات؟
حدث ذلك ثلاث مرات، في حالة رواية «حضور واقعي» ورواية «قوى متمردة» وهذه الأخيرة كنت أعتقد أنها ستصبح قصة في عشر صفحات مخصصة لإحدى محطات الإذاعة، لكنها ما لبثت ان تطورت، وأنا أكتب القصص دائماً وكذلك القصائد، ولكنني لا أتصرف فيها وإنما أبقيها في الدار، فهي تكشف من حياتي أكثر مما أريد إعلانه، وأنا أخفيها في الأعمال الروائية.
المؤلف في سطور
ولد الروائي ريتشارد بوتش في عام 1945، وحصل على البكالوريوس من جامعة جورج ميسون والماجستير من جامعة أيوا، وعمل بتدريس الكتابة الإبداعية وهو يتولى كرسي موس للتميز في اللغة الإنجليزية في جامعة ممفيس، ونشر قصصه في عدد من أبرز المجلات الأميركية، ومنها هاربرز، اسكواير، اتلانتك، نيويوركر وغيرها، وأصدر إحدى عشرة رواية وعدة مجلدات من القصص القصيرة، وصدرت له مؤخراً رواية «السلام».
منى مدكور
