تعد رواية ريتشارد بوتش الصادرة مؤخراً بعنوان «السلام» عملاً قصيراً، حيث لا تتجاوز صفحاتها 176 صفحة، لكنها تطرح موضوعاً شديد العمق والرحابة في آن، حيث تتخذ من الحرب العالمية الثانية مادة تستمد نسيجها منها.
هذه الحرب تبدو لنا من خلال عيني كوربورال روبرت مارسون الأميركي الذي تتمثل أقوى ذكرياته عن الوطن في تقريع أبيه له وهو يأمره بأن يؤدي واجبه، وهي عبارة لا تفتأ بدور في ذهنه مراراً وتكراراً. ويعاني مارسون من تقرح قدمه ومن قلقه من تدهور وضعها وهو يمضي مع رفيقيه في السلاح الجنديين أش وجوينر ودليل إيطالي عجوز صاعدين جبل كاسينو في ايطاليا عام 1944 في مهمة استطلاعية لمعرفة ما يقوم به الألمان والايطاليون على الجانب الآخر من الجبل العتيد. وينطلق بوتش في روايته بنثر شديد الاقتصاد يعيد إلينا أصداء نثر هيمنغواي، حيث نجد أنفسنا حيال معالجة بالغة البراعة للورطة الأخلاقية التي تطرحها الحرب على الإنسان في ظل ضغوط مروعة، حيث يتعين على الرجال في مرحلة ما ان يختاروا وأن يتحملوا المسؤولية المترتبة على الاختيار.
قبل الحرب كان كوربورال روبرت مارسون لاعب بيسبول شبه محترف، يلعب على مستوى جيد، ويقرب من اللعب على مستوى الاحتراف، وها هو في السادسة والعشرين من عمره أكبر سناً من جوينر واش والجنود الآخرين الذين يقولون لنا أنهم «أدهشوه بأن معظمهم كان يشعر بأنه لا يمكن أن يموت.
ونحن نعلم أنهم في غمار قيامهم بمهمة الاستطلاع هذه يقابلون مزارعاً ايطالياً يمضي بعربة مما تجره الخيل مثقلة بالقش المندي الذي يختفي تحته ضابط كرواتي وعاهرة تمضي معه على الطريق. ويبادر هذا الضابط بقتل اثنين من الجنود الأميركيين، فيقتله مارسون،، على حين يقتل سرجنت العاهرة بهدوء وبرود وكأنه يقتل حشرة.
الآن تبرز في الأذهان عدة أسئلة. هل هذا عمل من أعمال الحرب أم أنه جريمة قتل؟ أهو قتل ضروري أم سرقة مجانية للحياة؟
إن الفارق سيبدو دقيقاً للغاية بالنسبة لمارسون الذي سيتعذب من جراء عمليات القتل هذه على امتداد ما بقي من صفحات الكتاب.
سرعان ما ينفصل مارسون وآش وجوينر عن زملائهم لمواصلة القيام بالمهمة الاستطلاعية وحدهم، وهم يلتقون ايطالياَ آخر هو عجوز سيضغطون عليه ليكون دليلاً لهم في رحلتهم بالجبل ومن ثم عودتهم إلى معسكرهم. وفي وقت لاحق سيلتقون بفتى ايطالي يقدم لهم بعض زجاجات النبيذ الفاخر المسروق لقاء ثمن بخس، ويبادر مارسون عقب ذلك إلى قتل قناص كان يتربص بهم في الجبل.
لكن هذا هو عظم الرواية، وليس لحمها، ذلك أن نثر بوتش هو الذي سيوصلنا إلى لحم الرواية، وهو نثر بارع، تخلص من كل عناصر الترهل والتزيد والتجاوز محتفظاً في الوقت نفسه بقدرته على نقل التفاصيل من دون ان يثقل النص.
ويلفت نظرنا أن التفاعل بين الجنود الأميركيين الثلاثة هو تفاعل إبداعي بارع، وهو أبعد ما يكون عن الطابع الكليشيهي الذي نجده في العديد من روايات الحرب.
لكن ذلك لن يمنعنا أيضاً من أن نلاحظ بعض خطوط الكليشيهات التي وظفها الروائي في رسم شخصيتي الجنديين جوينر وأش على وجه التحديد. والعلاقات بين الجنود الثلاثة تظل في المقام الأول صادقة مع نفسها، فالجنود الثلاثة لا يتبدون لنا في ضوء عاطفي، كما أنهم لا يتم تغييرهم في أطر انفعالية محددة تقيد حركتهم كبشر، بل هم يتحركون ويتعرفون تماماَ على نحو ما نتوقع من ثلاثة شبان أن يتصرفوا في ظروف الحرب الرهيبة، بوتش يواصل ابقاءهم متماسكين في إطار الصور التي أبدعها لهم.
وفي هذا الإطار يتبدى لنا روبرت مارسون أقرب إلى المفكر والقائد بالمعنى القوي الذي يقود به مسيرة المجموعة والذي لا يرجع إلى أنه الأعلى رتبة بينهم فحسب، وإنما لأنه الرجل الأفضل فيهم جميعاً.
والشك الذي يساور مارسون حول قتل الضابط الكرواتي والعاهرة التي كانت برفقته هو مثال على الصراع الدائم الذي يتعين على الرجال والنساء العاديين ان يواجهوه عندما يمضون إلى الحرب.
هنا تبرز الأسئلة الأكثر أهمية في الرواية. ما هو التصرف العادل وما هو التصرف الذي ليس كذلك؟ لماذا يغير مسرح الحرب طبيعة الأخلاق؟ هل هذا التغيير مشروع أم أنه ليس كذلك؟ كيف يمكنني العودة إلى الوطن على النحو الذي كنت في يوم من الأيام؟
إن إحدى الشخصيات تبادر إلى إبلاغ الباقين بأنه على امتداد العالم لم تكن هناك إلا 17 سنة من السلام طوال الفترة من 1600 إلى 1860.
وفى ضوء أن العالم في حرب أكثر مما هو في سلام فإن هذه الأسئلة تصبح أسئلة خالدة. يطرحها الشبان والشابات بصورة مستمرة فيما هم يقترفون هذه الأعمال المروعة ويساعدون على القيام بها ويراقبونها.
تصل الرواية إلى ذروتها حقاً عندما يعود الجنود إلى معسكرهم، ولا تكون حيرة مارسون الأخلاقية قد حسمت على نحو يرضيه عندما يجبر فجأة على نقل موقفه من التأمل الذهني إلى التحرك العضوي. وفي مشهد حاد نجده يطرح عناصر صراعه العاطفي بتفصيل متدفق سريعاً، وتصل تحركاته إلى ذروتها في سلسلة من الفقرات الجميلة، حيث نشاهده يفتح فمه في مواجهة السماء ليلتقط المطر، وقد استقر ذهنه، وعقد العزم على العودة إلى الحرب.
وبوتش يقوم بصورة دقيقة بإنهاء الرواية من دون أن ينهى الحرب. وهو ما يعني ضمناً أن هذه الخيارات الأخلاقية هي خيارات لا يمكننا أبداً أن نحسمها بصورة كاملة.
لسوف يعجم عود مارسون مجدداً، وعلى الرغم من أنه يعرف إجاباته اليوم، إلا أنه قد لا يعرفها غداً، فالحرب تغير الإنسان ولكنها أيضاً تساعده في إجلاء مواقفه وإيضاحها، فهي تعد بمثابة عامل مساعد في تحوله من الشك إلى الحسم ومن الضعف إلى القوة.
وتظل رواية «السلام» عملاً مدهشاً وممتعاً، ولعل أفضل ما فيها قدرتها على طرح الأسئلة الأكثر أهمية بالنسبة للإنسان في زمن تحتدم فيه الصراعات والحروب وتتضاعف الورطة الأخلاقية التي تضع فيها الضمير الإنساني.
الكتاب: السلام
تأليف: ريتشارد بوتش
الناشر: نوف نيويورك 2009
الصفحات: 176 صفحة
القطع: المتوسط
Peace
Rechard Bausch
Knopf - n.y.2009
671P.

