ما هي العتبات؟.. سؤال يطرحه الباحث والكاتب المغربي د. الهاشم أسمهر في كتابه عتبات المحكي القصير؛ ومن ثم يقوم برصده في ثلاثة معاجم موسوعية (المحيط، ولسان العرب، وتاج العروس من جواهر القاموس) . ويخرج بالعديد من المعاني مثل: العلو والدنو، الولوج والمغادرة، التدرج، الإيجاز، الارتكاز والابتداء، عدم الخلوص والثبات، الاتساع والتضييق، والاستقراء أو التقعر، الضرورة والاستقرار والمتعة.

ولعلَّ المرء يجد نفسه بعد كل هذه المعاني متشابكة كانت أم متنافرة أمام سؤال: إذا كان اتساع وغنى الدائرة/الحقل الدلالي لهذه المادة بهذا الحجم، هل هذا يعني تنوعاً وتعدداً في الإسهام التراثي في مجال العتبات؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يأخذ مفهوم (العتبات) ولم ينل من الشهرة والاستعمال ما أخذ ونال الآن في الدراسة الأدبية.

ولعل أهم ما يميز الخبر ـ وإن كان يتقاطع فيه مع الحديث الشريف ـ هو مكوِّن ولازمة الإسناد، فالعبارة التمهيدية للإسناد التي تنبنى على عنصري التحمُّل (النقل-السماع- القراءة...) والأداء (القول، الإنشاد،الحكي...) لها وظائف بالنظر إليها بذاتها، وبالنسبة إلى القارئ. أما وظائفها بذاتها فلها بعدان: بعد واقعي تاريخي ويشمل إلقاء العهدة على الغير، والظهور بمظهر غزارة الاطلاع، وتقديم معلومات عن الرواة وظروف الرواية.

وبعد فني يضم استمالة المتلقي والتأثير فيه وتقييده، أي أنها تتحوَّل إلى إستراتيجية خطابية. أما وظائف الإسناد بالنسبة إلى القارئ، فإنه تمكن الاستفادة من الأسانيد في إدراك وفهم لتاريخ الأدب والأفكار وتصنيف الرواة في أسر ومدارس، بل لتوليد دلالات معينة للنص. أما موضوعات الأخبار فهي تشمل الواقعي أو الأليف والغريب الذي يتأسَّس على التخييل والعجيب الذي يرتكز على التخيل، استنادا إلى كون التخييل منطقة وسطى بين الواقع والخيال.

وبعبارة أوضح، فإنَّ الواقع الذي يقدمه لنا الخبر لا يخلو من تخييل، كما أن الخيال الذي يصفه لنا لا يخلو من تدجين. إن الواقع والخيال إذا قوَّتان تتجاذبان الخبر، وكثيراً ما تتداخلان وتتعايشان، وقد تهيمن إحداهما على الأخرى فتعطي طابعاً خاصاً للخبر. وإجمالاً، تقدم الأخبار تصوراً ما عن الوجود ولو من وراء ستار: التقنع بنقل الحدث أو القول بناءً على سلسلة الإسناد.

ويتحدث المؤلف بعد الأخبار عن ما يسميه هناك خطاب الكرامة بوصفه خطاباً رمزيا ينهض على العناصر والأفعال ذاتها مهما تغير الأشخاص، وهو خطاب عرفته الحضارات الإنسانية دائماً، لما فيه من نشدان الكمال وسعي حثيث إلى ترويض الطبيعة بكل عناصرها. ولقد اجتهد الباحثون العرب المعاصرون لوضع (الكرامة) ضمن خانة تجنيسه ملائمة، ويُعد «علي زيعور» من الأوائل الذين سعوا إلى تعريف هذا الخطاب.

مقارنة مع «الخبر» و«الكرامة» يعدُّ تجنيس «الطرفة» أكثر صعوبة وتعقيداً، ذلك أنها تجاورها أجناس ومصطلحات أخرى تربطها معها علاقات تشابه وتقاطع وتداخل في كثير من الأحيان، على أن (الطرفة) هي تجلٍّ من تجليات الخطاب الهزلي المؤدي إلى قليل أو كثير من الضحك. فيأخذ د- الهاشم أسمهر كتاب «مئة حكاية وحكاية» فيعرِّف الحكاية على أنها سلسلة من الأخبار، على أن هذا العنوان قد لا يخضع لهذا التعريف، في (الحكاية) تحضر هنا بمعنى المحكي القصير أو الوحدة السردية المستقلة التي تتمحور حول موضوع أو موقف يبعث على الضحك قليلاً أو كثيراً ويخلص الهاشم أسمهر إلى أنه يتعيَّن على الباحثين في السرد الإسلامي العربي النهوض بواجب الإجابة عن أسئلة متنامية يطرحها مبحث العتبات من قبيل:

كيف كان القراء الأوائل للمجاميع السردية الإسلامية العربية يتلقون عتباتها؟ إلى أي مدى كانوا يستجيبون لمواثيق القراءة والكتابة التي تقترحها هذه المدونات؟ كيف تفاعل المستشرقون والدارسون الغربيون مع هذه النصوص؟ بل ما هي أبعاد ووظائف ودلالات العتبات في المؤلفات الأدبية العربية القديمة؟.

سورة الفاتحة

يعتبر الهاشم أسمهر أنَّ سورة «الفاتحة» عتبة للقرآن الكريم كله وعنواناً له مستنداً إلى رأي «البقاعي»، كذلك فواتح السور، وأيضاً خواتمها فهي مثل الفواتح في الحسن، لأنها آخر ما يقرع الأسماع. بعد ذلك يقف على إسهامات المسلمين العرب القدامى في مجال العتبات في أجناس الخطاب من قرآن وشعر ونثر حتى يصل إلى عصر المطبعة الحديثة فيعتبر أن لاسم (المؤلف) سلطة حتى قبل ظهور الطباعة والنشر، بل إن اسم المؤلف يتحوَّل إلى مرجعية خطابية.

الكتاب: عتبات المحكي القصير

الكاتب: د.الهاشم أسمهر

الناشر: الشبكة العربية للأبحاث بيروت 2008

الصفحات: 416 صفحة

القطع: الكبير

أنور محمد