يحاول د. مسعود ضاهر في كتابه «هجرة الشوام.. الهجرة اللبنانية إلى مصر» تقديم لوحة مكثفة حول هجرة الشوام إلى مصر منذ أواسط القرن التاسع عشر حتى أواسط القرن العشرين، ولم يكن اختيار التوقيت الزمني اعتباطا إذ تحدد خلاله السمات الأساسية لتلك الهجرة التي لم تبق مقتصرة على أعداد قليلة من المهاجرين إلى دمياط وبعض المدن المصرية الأخرى، فمنذ أواسط القرن التاسع عشر ازداد سيل المهاجرين إلى مصر بشكل عمودي حتى ناهز مئة ألف في أواسط القرن العشرين، وذلك من مختلف الطوائف والمناطق في بلاد الشام.
هذه الدراسة ليست تعبيرا سياسيا اعتمده عدد هام من الأحزاب الوحدوية في المشرق العربي منذ القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الثانية، فبعضها حدد بلاد الشام أو سوريا كمساحة جغرافية تشمل سوريا ولبنان وفلسطين والعراق وشرقي الأردن وأسماها سوريا الكبرى أو سوريا الطبيعية، وبعضها الاخر حصرها ضمن الدويلات السورية التي أنشأها الانتداب الفرنسي، وأسماها بالاتحاد السوري، أما تعبير الشوام في هذه الدراسة فتقتصر دلالته فقط على مساحة جغرافية وفد منها المهاجرون إلى مصر وكانت لهم سمات متقاربة في المأكل والملبس واللهجة والعادات والتقاليد وسواها، فأطلق عليهم المصريون تسمية الشوام لتمايزهم عن جاليات أخرى كثيرة سكنت مختلف أرجاء مصر، وتفاعلت مع شعبها.
فالشوام بهذا المعنى تعبير اصطلاحي يطلقه سكان البلد الذي يؤمه المهاجرون، فيتقبلونه طوعا دونما حاجة إلى رفضه أو الاحتياج عليه، ولا يشكل أية إساءة لهم، وكانت للمصريين أيضا تسميات كثيرة لتحديد الوافدين إلى أرضهم فعرب المشرق هم الشوام وعرب المغرب هم المغاربة والأوروبيون هم الأجانب وبقايا الأتراك والشركس هم المماليك، وأوروبيو شرق أوروبا هم في الغالب يونان، واتسعت التسمية لتضم فئات متعددة من سكان وادي النيل نفسه الذين يرمز إليهم بعبارات أهل الصعيد وأهل النوبة والأحباش وغيرهم وغني عن التوضيح أن تلك التسميات ليست دقيقة بل تعبير يطلقه الشعب المستقر ويسمي به المجموعات البشرية الوافدة للسكن على أرضه.
ويرى مسعود ضاهر أن هناك صعوبات توثيقية لا يمكن تجاوزها إذ لا توجد إحصاءات دقيقة أو تقريبية حول جميع الشوام الذين تقاطروا إلى مصر خاصة في القرن التاسع عشر، ويضيف: وما حصلنا عليه أحيانا من إشارات في بعض الوثائق لا تحدد بدقة المصادر الجغرافية للمهاجرين.
فكانت السجلات الأساسية تكتفي بذكر المهاجر مع إشارة إلى المنطقة التي قدم منها فيقال طنوس الأسمر من جبل لبنان أو الياس الفلسطيني أو جبرائيل السوري، المسألة في غاية التعقيد فكان لا بد من الانتقاء هكذا تم اختيارنا للمصادر والوثائق على أساس دلالتها الواضحة فيما تتضمنه من معلومات وكانت السجلات ووثائق جزئية ومتحيزة وتطال فئة واحدة لتهمل فئات كثيرة.
ويؤكد المؤلف أنه ليست هناك تسميه تاريخية تبرر فصل اللبنانيين عن السوريين والفلسطينيين والأردنيين في مصر، لأنهم كانوا جميعا من الشوام وشكلوا معا جالية واحدة عرفت بهذا الاسم، وكانت السجلات الكنسية وسجلات الأديرة وسجلات الأزهر وسجلات النوادي والجمعيات الخيرية وسواها تتعاطى معهم ككتلة بشرية واحدة لها عاداتها وتقاليدها، وتتزاوج فيما بينها.
وتقيم حفلاتها وأعيادها معا، فلم يكن هناك لبنانيون أو سوريون أو فلسطينيون أو أردنيون في مصر، بل كانوا جميعا من الشوام واستمرت التسمية سنوات طويلة بعد إعلان دول لبنان وسوريا وفلسطين وشرقي الأردن، واستمر المواطن المصري والدولة المصرية تنظر إليهم كشوام، وهذه الدراسة تحللهم على هذا الأساس لكنها ولأسباب موضوعية ناتجة عن ظروف الحرب اللبنانية وصعوبة التوثيق والاطلاع على السجلات السورية والأردنية واستحالة الاطلاع على السجلات الأساسية لتلك الهجرة داخل فلسطين والضفة الغربية المحتلة هذه الأسباب مجتمعة جعلتنا نحصر الدراسة بالمهاجرين اللبنانيين في مصر كجزء من هجرة الشوام إليها وذلك على أمل أن تستكمل الجوانب الأخرى في السنوات القادمة وعلى أيدي باحثين مؤهلين لاستكمال الدراسة.
يؤكد مسعود ظاهر أن مصادر الدراسة كثيرا بين النص المكتوب والنص الشفوي بين سجلات الكنائس والأديرة وسجلات غرف التجارة والصناعة، بين أرشيف النوادي والجمعيات والأرشيف الخاص لعدد من الذين عايشوا هذه المرحلة وساهموا في صنعها، بين الذكريات المنشورة في الصحف والمجلات والمذكرات الخاصة، وبين ذاكرة الأبناء والأحفاد والأصدقاء والأقارب، هكذا تنوعت مصادر الدراسة حتى شكلت غني وثائقيا ينشر للمرة الأولى، ويقدم مادة غنية جدا تساهم في إبراز نظرية علمية دقيقة حول هجرة الشوام إلى مصر.
الكتاب: هجرة الشوام الهجرة اللبنانية إلى مصر
تأليف: د. مسعود ضاهر
الناشر: دار الشروق القاهرة 2009
الصفحات: 492 صفحة
القطع: الكبير
محمد الحمامصي
