لا يهدف كتاب حمدي البطران (مصر بين الرحالة والمؤرخين) إلى رصد الوقائع وسرد تفاصيل ما مضى، ولكن يهدف إلى قراءة مدلولات هذه الوقائع في ضوء ما نعيشه الآن. من هنا فالكتاب يرصد بعض كتابات المؤرخين العرب والأجانب الذين تناولوا العديد من القضايا المتعلقة بمصر.

بالنسبة للرحالة العرب فقد توقف المؤلف كثيرا عند كتابات كل من الجبرتي وابن إياس والمقريزي، كما توقف بشكل خاص عند علماء الحملة الفرنسية وما قدموه عن مصر، إضافة إلى غيرهم من الزائرين والرحالة الأوروبيين.يتناول الكتاب ما خلفه علماء الحملة الفرنسية عن مصر، وبشكل خاص ما دونوه عنها في المجلد الكبير المعنون «وصف مصر». وعلى الرغم من أن الحملة الفرنسية كانت في جوهرها حملة عسكرية على مصر إلا أنها تركت آثارا كثيرة هامة في مجال رصد الحياة الاجتماعية والعادات والتقاليد المصرية أواخر القرن الثامن عشر. وتناول المؤلف الجانب الإنساني من تلك الحملة الخاص بعلاقة الفرنسيين بالعرب والقبائل العربية أو ما يُعرف بالبدو.

يرصد المؤلف علماء الحملة الفرنسية التي تناولها كتاب (وصف مصر) وعلى وجه الخصوص «جومار» من خلال رحلاته التي قام بها في ولايات مصر الوسطى خلال الأعوام من 1798 إلى 1801، و«مارتان» أحد قادة الحملة الفرنسية الذي قام برحلة استكشافية إلى الفيوم في ديسمبر عام 1800، أمكن تسجيل مجموعة من صفات وطباع وعادات العربان ودراسة النظام الداخلي لمختلفة القبائل.

ولا يقف الأمر فقط عند وصف ما قام به الفرنسيون في كتاباتهم عن مصر، لكنه يتعداه إلى الجنسيات الأوروبية الأخرى مثل ما قام به الأمير الألماني رودلف في عهد الخديوي إسماعيل الذي اهتم بنقل مظاهر الحضارة الأوروبية إلى مصر لتكون قطعة من أوروبا، وتساعدها في الحصول على استقلالها عن الدولة العثمانية.

وصل الأمير رودلف إلى الإسكندرية عام 1875، ورغم الاهتمام الخديوي المميز له إلا أنه لم يحب مدينة الإسكندرية وبشكل خاص القذارة والفوضى فيها. وفي رحلة الأمير من الإسكندرية إلى القاهرة استهل القطار الذي أتاح له رؤية الحياة على جانبي شريط السكة الحديد، حيث شاهد مدينة دمنهور التي وصفها بأنها مدينة عربية صغيرة. وفي القاهرة أقام الأمير في قصر النزهة، ولاحظ أن القاهرة مدينة مزدحمة بالناس، وأنها ممتلئة بالتجار، وتدور فيها حركة تجارية صاخبة.

لا يتوقف حمدي البطران على الرحالة الرجال فقط لكنه يتعدى ذلك إلى بعض السيدات اللاتي سافرن إلى مصر ووصفوها. ومن بين هؤلاء السيدة الإنجليزية لوسي دوف جوردون التي أقامت في مصر لمدة سبع سنوات في الفترة من 1863 إلى 1869. وتتسم رسائل السيدة لوسي عن الفلاحين في مدينة الأقصر التي أقامت فيها منذ لحظة وصولها إلى مصر بقدر كبير من التعاطف مع فقرهم والظروف السيئة التي يعيشونها، كما أكدت على تسامح المصريين، والأدوار التي تقوم بها مؤسسات التبشير الأوروبية في تنصير المسلمين، ودعوة الأقباط لتغيير مذهبهم الديني.

والمجاعات هي الشيء الوحيد الذي اقتلع المصريين من جذورهم، وحولت مصر إلى مركز طرد للبشر، ويقول أحد الرحالة المشهورين وهو فوني أنه رأى في بداية عام 1785 شوارع صيدا وبيروت وعكا وفلسطين تعج بالمصريين المهاجرين من وطأة المجاعة في مصر. وواجهت مصر العديد من المجاعات عبر العصور كتلك التي حدثت بسبب الغلاء في عصر الإسلام عام 87 هجرية عهد عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وتلك التي وقعت في السنة الثانية من ولاية خمارويه على مصر عام 278 هجرية، وغيرها العديد من المجاعات التي مرت بها مصر عبر التاريخ وصولا إلى تلك المجاعة التي شهدها المصريون عام 1867 في عهد الخديوي إسماعيل بسبب الضرائب الباهظة التي فرضها على الناس.

وهي المرحلة التاريخية التي ينتهي بها الكتاب من خلال تناول العديد من المؤرخين الذين تناولوا حكم أسرة محمد علي من خلال التركيز على قصة مقتل إسماعيل باشا صديق المعروف باسم المفتش على يد الخديوي إسماعيل وبداية وقوع مصر تحت المراقبة المالية الأوروبية.

الكتاب: مصر بين الرحالة والمؤرخين

تأليف: حمدي البطران

الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة القاهرة 2009

الصفحات: 228 صفحة

القطع: الكبير

د. صالح سليمان عبدالعظيم