في بلد من بلاد الدنيا الواسعة كثر الحديث عن الحب بين المغنين والطبالين والزمارين، والشبان العاطلين عن العمل. صار (موضة) يتسلى بها الناس عن أحوالهم التي تُعمي الناظر، ولا تسر الخاطر.

والظاهر أن العدوى.. عدوى الحديث عن الحب وصلتْ إلى الإمبراطورة صاحبة الجلالة، فسألتْ نفسها وهي تتمشى في شرفة القصر: هل يحبني الناس؟كانت الإمبراطورة حلوةَ الوجه مكلثمةَ القدّ رغم تقدمها في السن، فانعقدَ حاجباها عند السؤال، ثم انفكا، ثم انعقدا تبعاً لحالة الأفكار الرائحة الغادية في قرعة رأسها، حاولتْ أن تجيب على السؤال بنفسها، فقالت:(يحبونني.. لا يحبونني.. يحبونني ببرود.. يحبونني بحرارة.. آخ يا ربي كيف أعرف؟!)سارت إلى القاعة الكبيرة، جلست على العرش، استعرضتْ تاريخَها منذ استلمت السلطة بعد وفاة زوجها، فوجدتْ أنه في نظرها أنقى من الحليب، وأطيبُ من الطيب، وأطهرُ من قلب طفل ولد قبل ساعة.

فجأة امتلأ رأسها بالتصفيق، فقد تذكَّرتْ شاعرَ المملكة(ياقوت) الذي قال فيها قصيدةً تذيب القلب.. قصيدةً لا تشبهها قصيدة، كانت طويلة جداً فلم تحفظها، لكنها تتذكر أنه تحدث فيها عن عدلها ونشاطها ووفائها.. عن زراعة قصب السكر التي ازدهرتْ في أيامها.. عن قصب السكر نفسه الذي أخذ منها الحلاوة.. عن يقظتها التي تجعلها تطارد أصحابَ البلبلة، فترميهم في براميل الخل ليموتوا ببطء، وتبقى بعدهم زهرةُ الأمن سالمةً متألقة.

في اليوم الثاني جمعت الإمبراطورة الوزراءَ والأعيان، وجهتْ إليهم السؤال الذي شغلها: (هل يحبني الناس)، فأجابوا بصوت واحد كالجوقة:

ـ نعم يحبونكِ.. يحبونك جداً.

ـ كيف؟

ـ يتحدثون عنك بالخير في كل مناسبة.

نفختِ الإمبراطورةُ قائلة:

ـ لا يكفي.

ـ إذا ذُكرتِ أمامهم أسرعوا فقالوا: مولاتُنا المعظَّمة.. مولاتُنا المعظمة.

ـ لا يكفي أيضاً.. لا يكفي.

سيطر هاجس الحب على الإمبراطورة في الأيام التالية، فإجابات الوزراء الذين ردوا على سؤالها لم تكن متطابقة مع بريق عيونهم، هذا من جهة، ومن جهة ثانية رأت في نومها آخرَ من أدخلتهم إلى برميل الخل، شاب أسمر خرج من البرميل وقد تساقط اللحم عن معظم جسده، نظر إليها نظرة ساخرة، قال: حب؟! الله يا حب!

طلعت شمس على الإمبراطورة، غابت أخرى، وحكاية الحب ما تزال في بالها. ماذا تفعل؟ ذات صباح لمستْ تاجها، فشعَّتْ من تلك اللمسة فكرة رائعة: قالت لنفسها: يجب أن أكون قريبةً من عيون الناس. البعيد عن العين بعيد عن القلب.

أسرعت الإمبراطورة، جمعت الفنانين، أمرتهم أن يحفروا لها في كل بيت صورةً في الخشب.. خشب الأبنوس الطيب الرائحة، ليراها الكبار والصغار طوال الوقت، وتعيشَ في بيوتهم وقلوبهم.

بعدما انتهى الفنانون من عملهم ومرت شهور على وجود الأبنوسات في البيوت، أرادت الإمبراطورة أن تطمئن على النتيجة.. كيف صارت مشاعر الناس نحوها؟ كيف صار حبهم لها؟ لمستْ تاجَها مرة ثانية، فشعَّتْ من تلك اللمسة فكرة رائعة.. بعد أيام أعلنتْ عن مسابقة ضخمة جداً لها جائزة باهرة اسمها مسابقة: (الحب الإمبراطوري)!

كانت فكرة المسابقة عجيبةً غريبة، لكنها هامة جداً في الكشف عن الحب المخبَّأ في الصدور وراء اللحم والعظم والملابس، فعدد المتسابقين مؤشر مفيد، وحماسهم مؤشر آخر، وما سيقوله المشتركون في المسابقة يفوق المؤشرات جميعاً.

في اليوم المحدد اجتمع المتسابقون في جو ساحر مهيب، تقدَّم الأول، قال:

ـ أنا أكثر الناس حباً لكِ يا مولاتي.. إنني أنحني أمام الأبنوسة ثلاث مرات في اليوم، وأدعو لك بدوام العز.

ضحكت الإمبراطورة قائلةً:

ـ حبك بارد.

قال الثاني:

ـ أنا يا مولاتي أُلمِّع الأبنوسة صباحاً ومساءً، وقبل أن أفعل أيَّ أمر أقف أمامها أسألكِ المشورة، فإذا ظهر الرضا في عينيك فعلتُ، وإذا ظهر الغضب لم أفعل.

ضحكت الإمبراطورة ضحكةَ استهزاء أيضاً، قالت:

ـ حبك بارد، فالولد يستشير أباه، والرجل يستشير زوجته، وأنا أريد حباً أكبر.

قال الثالث:

ـ منذ أيام نظرتُ إلى الأبنوسة يا مولاتي، وأمام عظمتك ارتجف جسمي، قلت: يجب أن أقدِّم شيئاً لسيدتي.. شيئاً أعظمَ من الكلام والمال، جئتُ بولدي الوحيد، لأذبحه أمامها قائلاً: اشهدي أنني أحبك.. اشهدي، اشهدي. لكنك لم تجيبي! حتى عيناك لم يظهر فيهما أي معنى! انفعلتُ كثيراً، غلى حبك في قلبي، والسكين مازالتْ في يدي، فلكزتُ خدَّك بها لتنتبهي إليّ، لتعطيني لمحة أو إشارة أو...

قاطعته الإمبراطورة وقد انعقدَ حاجباها، وارتختْ شفتها السفلى:

ـ لكزتني بالسكين؟! رائع.. رائع! أكمل.

ظن المتسابق أن الإمبراطورة أُعجبتْ به، فتابع بحماس:

ـ إذا لم تصدِّقي فيمكن أن تذهبي معي لترَيْ على الخد نُقرةً ناعمةً بيضاء تركها رأسُ السكين في خشب الأبنوسة الأصفر.

تظاهرت الإمبراطورة بالانشراح، فسألت المتسابق:

ـ طيب.. هل تذكر يا ولدي أيَّ الخدين تكرَّمتَ فلكزتَه بسكينك؟

صاح المتسابق فرِحاً معتقداً أنه سينال الجائزة:

ـ الخد الأيمن يا مولاتي.. الخد الأيمن.

انتفضت الإمبراطورة، راحت وجاءت كأنها زوبعة، صرختْ، فارتجف الحاضرون جميعاً:

ـ تلكز خدي بسكينك يا حقير، وتريد جائزة؟! طبعاً ستأخذ جائزةً أكبر مما تتوقع.

أُلقيَ المتسابق الثالث في برميل الخل، أوقفت الإمبراطورة الجائزة، وظلت حائرة تفتش عن طريقة مناسبة تعرف بها: هل يحبها الناس؟

نجيب كيالي في سطور

قاص سوري من مواليد عام 1953 صدرت له مجموعات للأطفال منها: الطبل المثقوب ـ قصص ـ دار الينابيع 1992 سعدو وقصص أخرى ـ مجموعة قصصية ـ اتحاد الكتاب العرب 1993 أميرة السُّكَّر ـ قصص ـ اتحاد الكتاب العرب 2003 طفل ونافورة ـ قصائد ـ الإمارات 2006 طيارة سماسيمو ـ قصص ـ مخطوط . وللكبار: ميت لا يموت ـ قصص قصيرة جداً ـ وزارة الثقافة 1996 لساني أكله القط ـ قصص ساخرة ـ دار الشموس في دمشق 2001 سباق إلى الخازوق.