بول شاوول شاعر ومسرحي لبناني من الأسماء الشعرية المهمة في الساحة العربية، قدم العديد من العناوين الشعرية اللافتة وهو ما يدل عليه هذا القدر الملحوظ من القراءات النقدية حول تجربته، التقيناه على هامش مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي حيث شارك بورقة في محوره الفكري «التجريب في المسرح السياسي» واخترنا محاورته حول تجربته الأخيرة «دفتر سيجارة» وبعض المحاور ذات الصلة ؛ وفيما يلي نص الحوار:
سنبدأ بسؤال حول انطباعك عن المشهد الشعري الراهن عربيا كيف تراه بموازاة التغييرات التي طالت الفضاء الاجتماعي ؟الشعر، قبل كل شيء، ليس انعكاساً لما يجري، هو فعل ثقافي واجتماعي، المشهد السياسي رديء ومنحط، ومهزوم، والأمة العربية في أكلح مراحلها وهزائمها الداخلية والخارجية..الشعر، على العكس، في أبهى صوره اليوم. بل الشعر يعيش عصره الذهبي، لأنه تخلص من ضغوط وإغراءات خارجية عديدة، مثل الالتزام المباشر بالسياسة أو الالتزام القسري، الالتزام الإيديولوجي. هناك التزام حر ومفتوح بالقضايا بين الشعر والمجتمع، وهناك التزام إيديولوجي قبلي مذهبي وطائفي.. الشعر تحرر من هذه الحراسات، وتحرر من المدارس الشعرية الأجنبية، وتحرر كثيرا من حضور الرواد، الذين تحولوا إلى عقبة في وجه تطور الشعر، هم انتهوا وتحولوا إلى تماثيل ممددة في طرق الإبداع والتجديد.. إذن المشهد الشعري اليوم ولأنه حر ولأن لا سقوف فوقه، ولا إيديولوجيات مقننة، ولا مدراس أجنبية شعرية؛ فهو اليوم حر لكن هذه الحرية ليست ضد الانفتاح الحي والإبداعي على المجتمع لا اعني بكلامي مسألة «الفن للفن» فليس ثمة شعر بلا مجتمع، ولكن هنا.
.لقد كابدنا طويلا من هؤلاء الشعراء الذين ارتبطوا بالأنظمة باسم القضايا وارتبطوا بالمال والسلطة باسم الشعب، باسم التطور والحداثة والتغيير والثورة.. الخ الحمد الله انتهينا من هؤلاء والآن جيل الثمانينات والتسعينات والألفين، رغم كل شيء، يتكلم تجربته، يحكي حكايته، قوته وضعفه، وبطريقة طالعة من جسمه وعقله وقلبه .
أنجزت العديد من الأعمال الشعرية قبل ان تصدر لك ثلاث عناوين دفعة واحدة أخيرا، برأيك هل تمثل كل مجموعة شعرية فصلاً معيناً من تجربة الشاعر..موسماً في زمنه الشعري أم تنويعا محدودا.. ؟
لا، الشاعر يدمر نفسه باستمرار، يدمر تجربته لكي لا يقع في النمطية.. التجريب هو إلا تقع في «شعر المناسبة» والمناسبة ليست فقط سياسية، المدارس الشعرية : «مدراس مناسبات»، وذهبت. والنظريات الشعرية «نظريات مناسبات» وذهبت.
و هي مرتبطة بزمان معين حتى بأمكنة معينة، وتنتهي بانقضاء الوقت، الشعر التجريبي هو الذي يحاول التحرر من كل هذه المناسبات يحاول إن يكون في نسبية مقبولة بأن يبقى خارج هذه الأشياء.. ، عندما كتبت أوراق الغائب استغرقت معي ست سنوات وبعد أن انتهيت حاولت الكتابة لكن كلما كتبت أي شيء أجده يشبه «أوراق الغائب» بقيت لسنتين دون أن اكتب أي شيء حتى تخلصت من آثار هذه القصيدة الطويلة المتعبة.
ثم كتبت «كشهر طويل من العشق» الذي هو نقيضها في اللغة، ثم كتبت «بعد نفاد الأحوال» وكانت مطولة مختلفة، ثم كتبت «دفتر سيجارة» وهو لا علاقة له بكل ما كتبته، إذن كل نص هو نوع من التجريب يخضع للفشل وللنجاح، التجريب ان تمشي في الخطأ وأنت تصحح لأن الشعر هو خطأ جميل؛ كالإنسان!
هذا هو إذن ليس هناك موسم معين للشعر ليس مطلوباً مني كتابة الشعر كل ثلاثة أشهر.. منذ سبع سنوات لم أكتب أي شيء، كنت منتظرا لم أجد شيئاً أحيانا اكتب نصا ثم أكتشف انه رديء فأمزقه بلا رحمة وبلا ندامة إذن الشعر هو جري أو تحرك نحو النقصان وليس نحو الكمال وكل مجموعة هي مجموعة ناقصة..منتقصة.. ولا تكتمل، أنت من يكتمل بالداخل، أنت الباحث عن الكمال المطلق و لن تجده إلا بالموت!
كتب الكثير عن «دفتر سيجارة» الا ترى ان ما كتب ركز على العلامة «السيجارة»، على فكرة ان النص استغرق في سيرة السيجارة وما إلى ذلك ؟
الذين تناولوا الكتاب قالوا إنها مجازفة شعرية قبل كل شيء، لم يجرؤ احد من قبل على تناول هذا الموضوع، مثلا عندك «الخمريات» عند ابي نواس وبشار وغيرهما وعندك «الرثاء» و «المديح » لكن اليوم صار لديك «السيجاريات» إن صحّ التعبير، الشعراء الكبار أو الصغار كتبوا مقطعاً أو مقطعين لم يكتب احد كتاباً كاملاً عن السيجارة، لماذا مجازفة لأنك مثلاً إذا أردت الكتابة عن الحب فلديك ملايين النصوص السابقة عن «المديح» أو «الموت» أما عن السيجار فلا يوجد أي مرجع إلا شفتيك ونفسك، إذن ستبدأ من الصفر!
ربما كنت الوحيد الذي تناول السيجارة، لكن ماذا في خصوص التقنيات أو الأداء الفني.. هل تعتقد انك جئت بجديد ؟
لكل نص تقنيته، وتقنيتي في هذا الكتاب تشبه دخان السيجارة تشبه هشاشتها وهشاشتي أنا، لأن السيجارة هي حضارة، لمائتين سنة كانت الحضارة هي حضارة السيجارة بامتياز (أنا اعمل رثاء إذا بدك) مع أني عبر السيجارة حكيت عن أمي وأبي والحب والموت، ثم جعلتها كائناً معي، رافقتني لخمسين سنة في كل الدروب، عندما مات الأصدقاء، في الامتحانات، وفي المظاهرات، عندما خطفت من بيتي عندما عشقت، وأنا بالحمام..
حوالي نصف قرن رافقتني افلا تستحق هذه السيجارة : لحظة وفاء؟! يلفت في تجربتك تعدد انشغالاتك في الكتابة فغير عملك كمحرر ثقافي، أنت ناقد مسرحي..
وأكتب سياسة أيضا..
فكيف تجمع بين هذه الاهتمامات ؟
لست الوحيد، فانا مع ان يستغل الشاعر كل طاقاته، إن كان الشاعر موهوباً في المسرح فليكتب مسرحاً، اذا كان الشاعر موهوباً في الرسم فليرسم، وإن كان سياسيا فليكتب سياسة؛ فكل الشعراء المعروفين مثل نيرودا، لوركا، وناظم حكمت، السياب، وخليل حاوي كلهم كتبوا سياسة لكن ان يبقى الشعر هو الذي يحبل كل هذه القضايا !وعندما أقول الشعر هنا لا اعني القصيدة، اعني ان ينتصر الشعر في المسرح.. أي أن يكون مسرحاً أيضا، ان ينتصر الشعر في الرواية فيغدو رواية .
بات ملحوظاً أخيرا التأثير الكبير للنشر في الانترنت ؛فكيف تنظر إلى حركة الشعر في هذا الفضاء المفتوح ؟
هي مفيدة لكن بشرط، عندما تكون لديها معطيات ثقافية ونقدية وإلا فالمباسطة مضيعة للوقت.. القصيدة يمكن ان تضعها في موقع الالكتروني ما وتنتشر في كل العالم، لكن من يقرأ هذه القصيدة وكيف يقرأها هذا مهم، لا تنسى أننا في العالم العربي نعاني من أمية كبيرة 60 % أمية كاملة، وقلة هي الفئة المهتمة بالشعر، فعندما تنشر قصيدة مركبة في مثل هذه المواقع هناك خطر في ان يتقبلها المتصفح بطريقة صادمة، فهم لم يستعدوا لها..
لكن عندما تذهب لوحدك وتشتري كتاباً من السوق فأنت مهيأ، قد يعجبك الكتاب وقد لا يعجبك، تحبه أو ترميه، أما هذا «المتابع» إذ لم يكن مستعداً في داخله فقد يصدم .
كذلك مما تسهل ملاحظته هذا الاهتمام الذي باتت وزارات الثقافة العربية توليه للشعر ؛فثمة العديد من المهرجانات والملتقيات..؟
ليس من جديد في هذا الجانب، منذ خمسين عام يحصل ذلك فالأنظمة رأت أن الثقافة يمكن ان تكون أداة لها ولنشر أفكارها الثورية أو اليمينية فكان مثلا ان استحدثت وزارات الثقافة لم تكن موجودة وخصصت ميزانيات ضخمة وصار عندك المسارح القومية..
يحصل هذا منذ عبد الناصر وبورقيبة لكن اليوم المهرجانات لها طابع جدي.. وفي هذه المهرجانات نشاهد سينما جيدة لأنه بمعني من المعاني يواجه هذا التردي، مثلا ان كنت تبحث عن المسرح الجاد فلن تجده، المسرح التجريبي والسينما الجادة ظهرت في ظل الأنظمة القديمة .هناك دولة وهذا واجبها بلا منّة!
المجتمع العربي لم يشعر باحتياج للشعر ولهذا أقول إن أكبر شاعر عربي إذا استثنينا محمود درويش ونزار قباني لا يبيع أكثر من 250 نسخة على 350 مليون عربي، ما الذي يعنيه هذا . ـ لا أتكلم عن الأمسيات الشعرية نحكي عن الكتاب ـ يعني أن المجتمع لا يحتاج إلى الشعر لأنه لم يقع في الاستهلاك .
لكن.. يبدو أن الشعر الحديث فقد جمهور المنابر..؟
الشعر الحديث لا صلة له بالمنابر.. المنابر هي جمهور وهمي.. ما الذي يمكن ان تعطيه المنابر، نحن نحكي عن قارئ نقدي وليس هذا الذي ما ان تذكر فلسطين يصفق، تسعل يصفق، تعطس يصفق.. تتعثر يصفق..
الشعر و الانترنت
من يقول ان نشر الشعر في الانترنت يوسع شعبيته هذا غلط فثمة تهيؤات لا بد منها.. ولكن رغم ذلك فهناك نعمة جديدة يجب ان نستغلها هي «الانترنت» في الماضي عندما ينشر كتاب لا تجده بسهولة لكن الآن بـ «كبسة» واحدة تتدفق ملايين المعلومات كـ «تسونامي» ونخشى ألا نستطيع استيعابها!
عصام أبو القاسم

