عند الحديث عن اللائحة أو القائمة أو ما يفضي إلى النتيجة عينها فيما يتعلق بتعداد أو احصاء الأشياء، ليس مهما إذا ما كانت تلك اللوائح جوهرية أم مبتذلة، حقيقية أم رمزية، متماسكة أم قريبة إلى الهذيان. فالقائمة تعتبر في كل الأحوال ودائما مفتاحا يمكننا من جعل الواقع يبدو في متناول أيدينا.
اللوائح تجمعنا، تفرقنا تجعلنا أقرب إلى الأشياء وإلى تطلعاتنا واحتياجاتنا وربما أقرب من أنفسنا أيضا، اللوائح تمدنا بقوة هائلة تشعرنا بقدرة كلية على التعامل مع أنفسنا والبيئة المحيطة بنا. لوائح ساكنة صامتة، لكنها فاعلة، من دونها يصبح مشروعا السؤال حول إمكانية استمرار الإنسان في العيش كما يجب، لاسيما بعد أن وضعت العالم برمته بين أيدينا دفعة واحدة وكأن لسان حالها يقول: «شبيك لبيك عبدك بين يديك».في إطار فعاليات الدورة الأخيرة من معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، تحدث السينمائي الإيطالي أمبرتو ايكو عن اللوائح أو القوائم مستندا إلى دراسة أنطولوجية تتناول شغف الإنسان في التعداد والإحصاء انطلاقا من نصوص أدبية وأعمال فنية تنتمي إلى جميع العصور والأزمان.
«من يقرأ رواياتي، سيرى أن اللوائح فيها زاخرة في حين تعود أصول هذا التفضيل أو الميل إلى دراسات أيام الشباب»، كما جاء على لسان ايكو نفسه، الذي يعد أحد أكثر الكتاب تخصصا في العالم، وهذا ما دفعه ربما إلى أن يقرر إجمال أو تلخيص قلقه القديم ويبادر إلى نشر كتاب «دوار اللوائح»، الذي أطلقته، في معرض فرانكفورت، دار النشر الإيطالية «بومبياني» والذي سيظهر في الأيام المقبلة بشكل متزامن في 15 بلدا حول العالم.
«دوار اللوائح» لا يشذ عن الإيقاعات السابقة التي عودنا عليها سيميائي أليسانديا في العديد من أعماله على غرار «تاريخ الجمال» الصادر عام 2004 و«تاريخ القبح» الصادر عام 2007، فالأمر هنا يتعلق بكتاب معتنى به جيدا ومزين بالرسوم التوضيحية بطريقة غنية، والذي هو أقرب إلى ما يعرف في عالم النشر باسم كتاب الـ «كوفي تيبل»، الذي يتميز عن غيره من الكتب بغلافه السميك وشكله الأقرب إلى المجلد والذي يوضع على الطاولات في الأماكن العامة والمقاهي خصوصا.
وربما أشعرت خصوصية هذا المجلد إيكو والمحيطين به بعدم الاكتفاء بإطلاق مؤلفه إلى المكتبات فحسب، بل إنه رأى هو وآخرون ضرورة قصوى في أن يتزامن هذا الإصدار مع سلسلة من المحاضرات حول الموضوع نفسه سيلقيها المفكر في متحف اللوفر الباريسي بدءا من شهر نوفمبر.
في صيرورة تحليلها من قبل مؤلف «بندول فوكولت»، تظهر اللوائح في كافة الثقافات وعلى مر العصور بدءا من الثقافات البدائية، التي كونت صورة مدهشة عن الكون وراحت تعدده وتحصي أولوياته من دون تثبيت علاقة ترتبيه فيما بينها، كما أن اللوائح نفسها تظهر مجددا في عوالم العصور الوسطى وعصر النهضة والعصر الباروكي وخصوصا في العالم الحديث وما بعد الحديث». لكن السؤال الأهم في هذا الميدان هو: بأية معايير تتشكل تلك القوائم؟ هنا دعوة إلى إلقاء نظرة سريعة على عدد من أنواع تلك اللوائح.
لوائح مرئية
تطرح تعداداتها في الفضاء، حيث تظهر حديقة المباهج التي تخيلها دون بوسكو وسجله الدقيق من الشخصيات والأوضاع الصادمة: شهداء بونتورنو الخمسة عشر وتكرار المصلوبين، نماذج لمعارك وجيوش تتطلع إلى إيجاد انطباع يظهر مجموع مكوانتها وأفرادها.
لوائح لأشياء
على غرار التعدادات الخاصة بالمواد والمضامين التي تظهر في مسرحية «ماكبيث» لشكسبير و قصبة رئة الرخمة و قصبة رئة الحقير فرخ الضفدع، جناحا الوطواط، جلد الخنفس، عينا الضب، لسان كلب الدرواس، ريش البوم وبشرة الخنزير المدلل، مجموعة المتعلقات المخبأة في صندوق مطبخ ليوبولد بلوم الخشبي في «يوليسيس» لجيمس جويس.. تلك الأشياء تبدو أحيانا مجرد روائح أو بالأحرى نتانات كما في المدن الموصوفة من قبل سسكند».
لوائح لأمكنة
يحصي بيرنارد شو في كتابه «بيت مدمر» عشرين مكانا لندنيا يلفها الضباب. غيتالو كافينو يعيد في «المدن غير المرئية» إنشاء ألبوم الخان الكبير، الذي تظهر فيه خرائط كافة حواضر العالم.
وعلى الرغم من أنه يمكن اعتبار أن القائمة التقليدية للأمكنة موجودة في كتاب بورخيس «الألف»، إلا أن الكاتب الأرجنتيني رأى في تلك البيئة الصغيرة البراقة التي لها لمعان يكاد لا يطاق تقريبا ـ رأى فيها ذلك الغرض السري المتخيل، الذي ينتحل الرجال اسمه، لكن أحدا من اولئك الرجال لم ير ذلك الكون الذي لا يمكن تصوره أصلا.
لوائح «ميرابيليا»
هنا تظهر تعدادات من العصور الوسطى بمعايير مبهمة، وهنا ثمة متسع لكل شيء، مثل اشتقاقات انسودورو من اشبيليا، التي تخلط قواعد النحو مع الطب والزراعة والأعمال المنزلية.
مجموعات وكنوز
مجموعات وكنوز كبار الأسياد الرومان أو أسياد عصر النهضة أو مجموعات وكنوز متاحف زمننا الحاضر والتي ترصد الرغبة في التراكم والتزايد لدى الناس.
لوائح مفرطة
منذ الحقبة الباروكية وما تلاها من حقب، بوسعنا العثور على لوائح كثيرة ومتنوعة تم وضعها ومعالجتها بدافع من الرغبة المحضة في التشويه. والمثال الأكبر على ذلك يعرض له فرانكويس رابيلايس، الذي يعدد بنبرة خشنة الألعاب التي كان يلعبها غارغانتوا بما فيها تلك النعوت التي يوصف بها العضو الذكري أو طرق تنظيف المؤخرة.
ومن هذا التيار بالذات يظهر نوع من التعداد الفوضوي، الذي يعد أحد سمات المعاصرة والموجود في «إضاءات» ريمباود أو في «حاشية» جاكيس بريفيه، حيث يظهر جندي ملكي يرتدي ثوب ضحية ميتة، حية من القهوة مجلجلة، صياد مع حبل مرخي مع بهلوان متعدد الرؤوس، مارشال من الرغوة مع غليون في فترة التقاعد..
بالنسبة لأمبرتو ايكو، فإن شعرية القائمة قد غزت، في نهاية المطاف،الثقافة المعاصرة، بدءا من شوربات وروهول حتى عالم «وايد ويب»، الأم الكبيرة للقوائم كافة». وهي، بكلمات السيميائي، تقدم لنا كاتالوج من المعلومات التي تجعلنا نشعر بأننا أغنياء وقادرين على فعل كل شيء «مقابل ثمن يتمثل في عدم معرفة أي من عناصرها يشير إلى معطيات من العالم الحقيقي وأي منها لا، من دون اختلافات أو فروقات بين الصح والخطأ».
«دوار اللوائح» هو كذلك عنوان سلسلة من النشاطات التي يكرسها متحف اللوفر الباريسي للكاتب أمبرتو ايكو.في الفترة الواقعة بين 2 نوفمبر و8 فبراير المقبل، حيث يحتضن متحف التصويرات مجموعة من المعارض والندوات المخصصة لعكس أفكار المفكر الإيطالي مستعينا بمعرض غير متجانس لكنه موسوعي يغطي المفاهيم المتنوعة للقائمة، بدءا من الأنساب والسلالات الملكية الموضوعة من قبل الملوك حتى أساطير القدماء الشخصية حول الفن المفاهيمي.
كما يعرض المتحف الباريسي لجذور السينما، اللصيقة جدا بصالات أعاجيب القرن الثامن عشر والموظفة، في هذه الحالة، من أجل اقتراح قائمة جرد لمناظر من العالم تماما كما خلدها رواد الفن السابع.
موضوع نسب المتاحف سيتم تناوله كذلك في سلسلة من المحاضرات المكرسة لصالات الروائع تلك، حيث يمكن العثور على أحجار كريمة وعلى مخلوقات غريبة محنطة. ولإلقاء مزيد من الضوء على هذه القضية، سيكون بوسع زوار المعرض الباريسي تأمل الإبداعات الغريبة للخزاف برنارد باليسي (1510-1590)، الذي برز في ميدان تمثيل الطبيعة حتى في أدق تفاصيلها.مثال جيد على ذلك هو شكل بيضوي وضعه الفنان عام 1958 تقريبا، حيث يعيد باليسي، بواقعية مدهشة، إنتاج سلاحف، ضفادع فوق لوح من الطين والحجارة.
في ميدان نسب الحداثة هذا، ما كان من الممكن غياب تكريم أحد أكثر أعمال أمبرتو ايكو تأثيرا «العمل المفتوح»، الذي يؤطره اللوفر في سياق الفن الطليعي الإيطالي في سبعينات القرن الماضي.
«دوار القوائم» هذا يتكامل مع مساهمة مبدعين آخرين شاركوا في تناول العالم عن طريق قائمة متخيلة، نذكر منهم الكاتب جورجيس بيريس والموسيقار لوتشيانو بيريو وفنان الغرافيك كلود كلوسكي.
تحت مظهر بحث جذاب، يساعد كاتلوج المعرض إيكو على إيجاز كل هذا التنوع في منتج له حجم الكتاب الذي لا بديل له حتى الآن. ولقد قال ذلك المفكر الايطالي نفسه في مايو 2009 عندما زار مدريد لاستلام ميدالية منتدى الفنون الجميلة وليتحدث عن كتابه «لا تأمل بأن تتحرر من الكتب»، العمل الذي كتبه مع جان كلود كاريير.
«إذا كان يتعين علي ترك رسالة مستقبلية للانسانية ـ قال حينها ـ فإني سأقوم بذلك عن طريق كتاب ورقي وليس في اسطوانة الكترونية. لقد زرت المكتبة الوطنية وشاهدت كتبا عمرها 500 عاما. وإذا أخذت في الاعتبار المخطوطات كذلك، فإني تأملت نماذج مكتوبة قبل 1000 سنة خلت. إلا أننا لا نعرف كم يمكن أن تدوم اسطوانة كمبيوتر. فما يسمى اسطوانة مرنة قد ماتت قبل أن تنفد قدرتها على استيعاب المعلومات.
وذلك هو السبب الذي جعلنا نكتب 350 صفحة لإثبات الحياة الطوية التي يختزنها كتاب ورقي». مما لا شك فيه هو أن «دوار اللوائح»، الصادر في 13 نوفمبر الماضي، هو مقاربة خرافية لأسطورة الكائن البشري مع القوائم ومع الايجازات والتبويبات والتصنيفات. وفي آخر الأمر، فإن المسألة تتعلق هنا بدراسة «عقل بتصنيفه للواقع يقوم بتحويله» في الوقت نفسه، على حد تعبير إيكو.
أمبرتو ايكو في سطور
ولد امبرتو إيكو سنة 1932 في مدينة ألكساندريا، في شمال إيطاليا.وبعد دراسته الجامعية في الفلسفة.وبعد ذلك دخل الحياة من بابها الواسع أستاذاً جامعياً، وصحافياً لامعاً في الوقت نفسه.
في عام 1980 حقق شهرة عالمية بروايته «رجل الوردة».أكاديمي قرب أكثر المواضيع كتمانا إلى القارئ العادي ومفسر بارز للثقافة الشعبية المعاصرة. من بين كتبه يبرز «اسم الوردة»، ط التأويل بين السيمائيات والتفكيكية»، بندول فوكو»، «تاريخ الجمال» و«تاريخ القبح».
باسل أبو حمدة

