إنه المنديل: سارد الروايات الرومانسية، كل ثنية فيه انفجار سطور رغبات ومكابدات، لسان حال المعنَّى بالآخر الطائف داخلَه، يكون في وسعه استيلاد ما لانهاية له من الحكايات التي تعني شخصين، يودعانه ما يتواعدان عليه حباً
لنتذكر ما يتثبت باسمه، ما يدور في فلكه، ما يتزاحم من خيالات وأمنيات، وينحدر في طياته وتعاريجه من تصورات ومخاوف، وهو في واقعه ليس أكثر من قطعة قماشية مزركشة الإطار، أو وهو معلوم بعبارة مفصلية قيمةً، أو صورة ما أو جزءاً منها، أو تكون عادية، ولكنها تنطوي على ألف سر وسر، وهو محط اهتمام خاص، لا يذاع له سر، إن ذيوع سر من أسراره يعني فقد قيمته كلياً، وانتهاء مدى صلاحيته.
ذلك هو المنديل الذي عرف ذات يوم، حزمة من أنفاس مشتركة، أو أنفاس صاحبه، منديل هدية يُتكتَّم عليه، أو يتم التباهي به أحياناً: منديل الحب، منديل ممهور باتفاق ما باسم شخص واحد، مدرَك بهيئته ولونه والرائحة التي تبث فيه وعبره، دليل حي أو بليغ لاستشراف عالم يمور بالمشاعر، عالم منديلي موفور الصحة، ملتقى آفاق رنانة، لا ينفد جديده وأثيره.
كان في وسع المسمى ب(المنديل) أن يمارس ليس دور ساعي بريد، أو رسالة تخفق من الداخل، أو بين يدي المرسل إليه، لأن ثمة جبلَّة أنفاس حرَّى، ثمة إيداع شهقات بثَّت في النسيج الذي يستحيل عروقاً تجهر بالمنتظَر.
لا أحد يستطيع تأريخه، كيف كانت بداياته، كيف هي أشكاله والمواد التي تكوَّن منها، إلا أن الممكن قوله هو أنه تراوح بين المنديل الشخصي، أي للاستعمالات الشخصية، حيث كان يصنَّع بمقاييس مختلفة، يمكن اقتناؤه، أو يجري تطريزه يدوياً، وما في ذلك من تأكيد على أهمية كل من المرسِل والمرسَل إليه، والساعي بينهما كذلك ومحتوى المنديل، فالحديث عن منديل العاشق وما يدور في فلكه، يغطي مساحة واسعة اجتماعية لمضمون، والمنديل المندرج في عداد العموميات، حيث تتوقف صلاحية استعماله على مادته فقط وليس المعرَّف به.
يمكن الحديث أيضاً عن قائمة المناديل الدالة على ذوات شخصية، بناء على توصيات أو يجري صنعها وتصميمها بحسب الطلب، لتكون الأذواق من جهتها شاهدة على ثقافات أفراد وجماعات متفاوتة، فنكون بصدد عالم الوجاهات والأفندية وما يتناسب والبذلات المفصَّلة تبعاً للمودة، والمنديل الظاهر من الجيب العلوي لافت بلونه، وكأنه لسان حال المرئي، باق في مكانه، مرسل إشارات إلى الحاضرين تعزيزاً لموقع صاحبه، فنكون وسط تيار صاخب من الأضوائية والنجومية والإشارة بالبنان، حيث الرموز البصرية بالغة التصويب في مهامها!
لكن المنديل الملهِم بموضوعه، والذي يتأصل في الذاكرة، هو الذي يهدى من شخص لآخر، ليكون المصنوع من مواد لها قيمتها المادية أو الرمزية قيمة تذكارية أو شخصية، إنه المنديل الذي يعلو مقداراً كلما أوغل في الزمن، المنديل الدال على مرحلة، على إيعازات وإيماءات وتضمينات أخبار خاصة، كما هما وجهاه، كما هو إطاره ذو التطريز الخاص، كما هي العلامات التي تفضي إلى عوالم متخيلة تسهّل دخول قلبين والتحليق في رحابتها، ليكون النافث قلبياً قوة دفع، وما يخص اليدين تنبهاً أعيناً ترى وتسمع وتحرص على سلامته من كل سوء!
تكون المادة المصنَّعة: المادة النسيجية بدقة محسوبة، نعومة الأنامل، وتعرّقها، سطوع الأنفاس ونفحتها، المدى القماشي مجالاً حياً لعناق كل من رغبة الأنامل الصامتة التائقة إلى المقابل، والأنفاس لسان حال خافق، باحث عن النظير شغفاً واشتياقاً من جهته، ليكون العالم في كليته مضموماً طيَّ المنديل، قرطاساً يبث حكايات متجاذبة من الجهتين دون توقف طالما أن ثمة مسافة فاصلة بينهما، لكأن المنديل هو ملتقى مأخوذين ببعضهما بعضاً، كما لو أنه واقعاً مائدة عامرة بالأطايب إذ يغمَس في عطر خاص ممتزج برغبات مقدَّرة عند الموعود بشم وضم لاحقين، ولا يخفي المرجأ في اللقاء من قيمة المنديل، إنما يعتّق معدنه، بقدر ما يزيده بهاءً انهمام الآخر به في كلّيته.
ثمة وضع ترياقي خاص جداً، يحيل الغائب إلى حاضر مؤثّر، ينزع عن السطح الجامد وهو في نعومته صمته الكامن، ويمثّله مرآةً قادرة على امتصاص الصور المتخيلة، بوضعيات شتى، وتفعيل الزمن الخاص داخلاً، كما لو أن الملمس الناعم للمنديل والقادم قبل كل شيء من صانعته الأنثى مجدّد العهد ممضياً على عقد لقاء قريب، أو يغدو المنديل المرسل من قبل العاشق وموصَّى عليه تزكية أبدية لمن يحب، فيكون الزمن هو المعايَن في المنديل.
إنه المنديل: سارد الروايات الرومانسية، الكتاب المنسوج من وجهين/ صفحتين لا فصل بينهما، كل أثر مرئي يمتد بمؤثّره خارجه، كل ثنية فيه انفجار سطور رغبات ومكابدات، لسان حال المعنَّى بالآخر الطائف داخلَه، يكون في وسعه استيلاد ما لانهاية له من الحكايات التي تعني شخصين، يودعانه ما يتواعدان عليه حباً!
اختفى المنديل بعهوده الرومانسية، أو انحسر تاريخياً، وبقي تاريخه الخاص، شاهداً على طريقة معينة في الحب، على عالم كان يدشَّن من خلاله، ليدل كل ذلك على مدى تنوع العشق وأهليه، ولكن القلب واحد بينما فنونه فمتحولة، كما هو المنديل الذي تحوَّل هو بدوره، إذ تنوع بأسمائه، ولكن رومانسية المنديل أثر فائض بالمعاني!
إبراهيم محمود
