عندما تتجول في شوارع وأحياء باريس تتطلع إلى الابنية المعمارية الحديثة النابتة بين الأبنية القديمة، تسعى أن تجد التناسق بينها، وتتساءل في سرك: إلى متى تصمد الهندسة المعمارية العريقة امام ناطحات السحاب والاشكال المعمارية الحديثة التي تغزو العالم؟

والعادة أن الملوك والرؤوساء الفرنسيون يضيفون في فترات حكمهم عدداً من الأبنية الثقافية، من ملوك فرنسا الأوائل وحتى آخر الرؤوساء. نفذ ميتران في فترة رئاستيه الصرح المعمارية الثقافية: أوبرا الباستيل، ومدينة العلوم والتكنولوجيا في لافيلاييت، ومركز الاتصالات في منطقة الديفانس، ومعهد العالم العربي، وهرم اللوفر الزجاجي... بعض الاشكال المعمارية التقليدية صدمت اذواق الناس عند ظهورها، وتحولت مع دوران عجلات الزمن إلى مناظر اعتيادية. هكذا مع قصر فرساي وبرج ايفيل .. الحكام الفرنسيون غيروا وجه باريس باستمرار، والبسوها أزياء جديدة حتى اضحت باريس لا تتوقف عن النمو والتوسع.

للبناء والسياسة علاقة وطيدة في فرنسا، فالحكام يحلمون على الدوام برؤية سلطانهم يتجسد في أبنية معمارية ضخمة. كان الرئيس ميتران يقولا بهذا الصدد: «إذا لم نستطع ان نؤسس حضارة مدينة في الأعوام العشرة المقبلة معنى ذلك أننا لم نفعل شيئا على الإطلاق. إن المشاريع المعمارية الجديدة تثير نقاشا واسعا بين الأوساط الثقافية والفكرية والسياسية. فقد انقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض لها مع أن بعض هذه المشاريع الكبرى قد وضع حجر الأساس لها منذ عقود ماضية، أي تم تشريعها منذ عهد الرئيس الفرنسي السابق جيسكار ديستان، لكن الحكومة الفرنسية الحالية صرفت مبالغ هائلة في ميدان الثقافة. فالثقافة هي الدعامة الأساسية لجيمع السياسيين في فرنسا.

ومن المعروف أن هذه المشاريع المعمارية الثقافية الجديدة تشكل صدمة لأذواق الباريسيين الذين تعودوا على شكل مدينتهم منذ قرون، الباريسيون غير معتادون على التغيير المفاجئ. ولعلنا نتذكر الضجة التي أثارها مركز بومبيدو في الأيام الأولى لشييده. وحتى برج إيفيل، رمز باريس الشهير، والذي شيد في عام 1889، كان هو الآخر صدمة عنيفة للباريسسين. ومع مرور الزمن يتعود البشر على التغييرات المفاجئة وتدخل الأشكال في أرواحهم حتى تستقر ولا يستطيعون العيش بمعزل عنها فيما بعد.

مركز بومبيدو، على سبيل المثال، حقق نجاحا هائلا لدى الجمهور.أكثر من 25 ألف زائر يدخل المركز يوميا أي ما يقارب الـ 8 ملايين زائر سنويا حيث فاق متحف اللوفر الذي يبلغ عدد زائريه ما يقارب الـ 8,2 مليون زائر في العام. ومختلف الحكام واجهوا مشكلات أثارتها التغييرات المعمارية: لويس السادس عشر واجه مشاكل جمة عند تشييده قصر فرساي. وكذلك قصة تشييد غارنييه لأوبرا باريس ارتبطت بالأشباح والشياطين.

وبقي الرأي العام معارضا لتشييد مركز بومبيدو حتى يوم افتتاحه.يؤكد دوبافيون أن مسألة اختيار شكل البناء هي من أهم المشكلات التي تواحهه وذلك لتعدد المدارس والآراء وتضاربها. وأغلب الخلافات انفجرت عادة بين المهندسين المعماريين التقليديين والمهندسين المعماريين الشباب.

غارنييه كان شابا عندما صمم أوبرا باريس.ورينزو بيانو وريتشاردروجرز كانا غير معروفين عندما صمما مركز بوممبيدو.وكذلك هو الحال مع «كارلوس أوت» الذي يصمم أوبرا الباستيل، ووسبركلسم، الذي يصمم مركز الاتصالات العالمية في لاديفانس.على أية حال، الشهرة بأتي فيما بعد عندما تترسخ المشاربع المعمارية في أذهان الناس وتصبح جزءا من تاريخهم.

من ضمن هذه المشاريع، الأوبرا الشعبية في منطقة الباستيل، يعتبر هذا المشروع من أضخم المشاريع التي أقرتها حكومة ميتران منذ مجيئها.يقول المعماري الشهير دوبافيون، مؤلف كتاب «المعماراليوم»: يعتقد الكثير بأن مشروع أوبرا الباستيل لا قيمة له، لكن الحقيقة تكمن في قصر غارنييه أي أوبرا باريس التقليدية« وتشير معظم التقارير الرسمية بأن هذا المشروع كان مقترحا منذ كان أندريه مالرو وزيرا للثقافة في عهد شارل ديغول في منتصف الستينات.

ويذهب دوبافيون إلى أن أوبرا غرنييه شيدت أساسا للبرجوازيين قبل قرن، والمبنى يشبه صالة « لرقص الباليه» إذ لا تحتوي على غرف كبيرة أو مساحات فضائية واسعة. لذا فإن المهندس المعماري «كارلوس أوت» الأرغواي المولد والكندي الجنسية، الذي يشرف حاليا على مبنى هذه الأوبرا، إذ تفادى الاخطاء التي وقع فيها غارنييه في تشييد أوبرا باريس التقليدية وذلك بتخصيص مساحة فضائية تتسع لمليون مشاهد وتقدم 450 عرضا سنويا، أما الأوبرا التي شيدها غارنييه، فتتسع لـ 330 ألف مشاهد وتقدم 174 عرضا سنويا.

وأهم ما يميز هذه الأوبرا بأنها أوبرا شعبية تقدم تخفيضات معينة في أسعار بطاقات الدخول كي يتسنى لأكبر عدد ممكن من الجمهور المحب للأوبرا من مشاهدة هذه العروض المغرية. أما الديكورات الداخلية فقد قام بها رونالد سيسل. والمبنى الداخلي مزود بأحدث أدوات الفيديو هذه الأوبرا في الذكرى ال300 للثورة الفرنسية أي في عام 1989.

ومركز الاتصالات العالمية الكائن في منطقة لاديفانس الحديث، يعطي هو الآخر شكلا معماريا جديدا إلى باريس. وقد أطلق على هذا المركز«قوس نصر الإنسانية» لأن شكله يشبه إلى حد ما قوس النصر التقليدي الكائن في ساحة شارل ديغول. وقد صمم هذا القوس الجديد المهندس المعماري الدانماركي أوتون فون سبركلسن. جاء التصميم محتويا على ألواح زجاجية سميكة تشبه المرايا كي تتناسق مع الأبينة المعمارية الكائنة في هذه المنطقة الحديثة، ينتهي العمل بهذا المركز عام 1988.

متحف أورسي ولد في محطة قطار أورسي التي شيدها فيكتور لالوكس في عام 1900 تتحول بين عشية وضحاها إلى متحف يضم آثار القرن التاسع عشر.

وقد تبنى الرئيس الراحل فرانسوا ميتران هذا المشروع كي يملأ الفراغ من حيث المحتويات والشكل بين متحف اللوفر ومركز بومبيدو.وأشرف على تصميم المتحف المهندس الإيطالي غي أولينتي الذي كان قد صمم متحف الفن الحديث في مركز بومبيدو. ويغطي هذا المتحف الرسومات والمنحوتات والملصقات والصور من عام 1848 حتى عام 1914. وتم تجميع هذه المحتويات من المتاحف الأخرى: مثل متحف اللوفر وقصر طوكيو وغيرها من المتاحف الفرنسية.

الرئيس ميتران استطاع ان يجدد شكل باريس المعماري. فهو الرئيس الوحيد الذي تجرأ على أن يحدث تغيرات جذرية على واحد من أعرق المتاحف في العالم ألا وهو متحف اللوفر الشهير بأبنيته المعمارية القديمة. اللوفر كما هو معروف يوجد منذ عام 1793.

احتفل نابليون الثالث بامبراطوريته الثانية عام 1850 في بناياته تثير العديد من الإشكاليات وخاصة بالنسبة لاستقبال السياح الآتين من أطراف الدنيا.ولغرض تقديم الحلول اللازمة لمعالجة أزمة اللوفر وسعة استقباله، قام المصمم المعماري الشهير«بييه» الصيني ـ الأميركي باقتراح مشروع يقضي بإنشاء هرم زجاجي ضخم بسعة 70 قدما كي يربط بن أقسام اللوفر المتعددة من الأسفل. وقد أثار هذا المشروع ضجة كبرى لدى جميع الأوساط السياسية والفنية والمعمارية.

وأكدت معظم الآراء المعارضة لهذا المشروع بان هذا التجديد من شأنه أن يشوه جسد اللوفر الجميل . في الوقت الذي وقف عدد من المعماريين أمثال:جان بوفيه، ورينزو يانو، بيير بوليز، مع فكرة الهرم الزجاجي. ومن أبرز المؤيدي والمتحمسين لهذا المشروع هو وزير الثقافة الفرنسي جاك لانغ إذ يؤكد على ضرورة الربط بين ماهو تاريخي ومعاصر مع الاحتفاظ بالروح المبدعة للإسلاف يحتوي هذا الهرم الضخم على طوابق سفلية لاستقبال السياح والحافلات التي تقلهم.بالإضافة إلى ذلك، سوف يتم تجديد أقسام أخرى من المتحف الشهير مثل قسم الأثار اليونانية والرومانية وغاليري الرسم في الطابق الثاني.

في الحقيقة إن هذا التغيير الجديد الذي أجري على هذا النصب المعماري التاريخي لم يأت إعتباطيا بل يحقق فائدة عملية كبرى حيث يوسع من قدرة استقبال المتحف للسياح من 8,2 مليون زائر إلى 5 مليون زائر أي أن الهرم الزجاجي الجديد ضاعف فاعلية هذا المتحف العريق.

من بين عجائب باريس الجديدة كان للعرب نصيب منها.على رصيف سان بيرنارد وعلى ضفاف السين، ترتفع بناية ضخمة خططها المعماري الفرنسي جان توفيل وهي بناية معهد العالم العربي بواجهاتها الزجاجية التي تعكس الحضارة العربية- الإسلامية مع أشعة الشمس على مدينة النور. يتضمن المعهد مرافق حيوي عديدة: مكتبة، متحف للاثار العربية ـ الاسلامية، مركز لدراسة اللغة العربية. تزين البناية ذات الألواح الزجاجية المشعة نافورات وحدائق علها تذكرنا بقصور هارون الرشيد!

ساهمت الحكومة الفرنسية في بنائه وساهمت 20 دولة عربية.

باريس تتسع وتتجدد كل يوم. وهي تحاول شأنها شأن كافة المدن أن تجمع بين القديم والحديث.ولكننا في أحيان كثيرة نضيع في مجاهلها، وتضيق أرواحنا من غربتها. نتأمل باريس وهي ترتدي كل يوم زيا معماريا جديدا، وتمد أبنيتها وشوارعها إلى أطراف مترامية مد البصر. باريس تخطو بأقدام ثابثة نحو العصرنة وهي كأعرق مدن أوروبا قاطبة، لا تزال تتميز بعجائبها وجوها وتفردها ومعمارها الأصيل.

باريس ميتران

صدر كتاب جديد بعنوان «باريس فرانسوا ميتران» يؤكد فيه المؤلف على اهتمام الرئيس الفرنسي وولعه بتجديد البناء المعماري لمدينة باريس. وأول رجاله المتحمسين ميتران في إجراء هذه التغييرات: هو جاك لانغ وزير الثقافة الأسبق الذي كان يؤكد على أن المجتمع الفرنسي يحب التغيير حيث الأشكال المعمارية المتنوعة ينبغي أن تتعايش جنبا على حنب. وفي ظل التعددية التي يتحدث عنها وزير الثقافة فإن المعماريين من مختلف أنحاء العالم في فرنسا، كندا، الأوروغواي، الصين، أميركا، إيطاليا، وغيرها من البلدان.

مدينة العلوم والتكنولوجيا في لافييت

ما أن تطأ قدماك منطقة لافييت الشعبية الواقعة في الضاحية الشمالية للعاصمة حتى يسترعي انتباهك الكرة الزجاجية الهائلة المنتصية وسط المبنى الشاسع الذي يقوم عليه صرح مجمع لافيلات ويمتد على مساحة 55 هكتاراً وتتسأل ما هي هذه الكرة الزجاجية اللماعة، وحين تقترب تعلم بأنها أحدث متحف للعلوم والصناعة في العالم .

وقد افتتحه الرئيس ميتران واطلق عليه تسميات عدة منها: مدينة العلوم والصناعة، متحف القرن الحادي والعشرون معبد العلوم، تبلغ مساحته اربعة اضعاف مركز بومبيدو الشهير 165 الف متر مربع. هذا البناء العجيب هو عبارة عن متاهة من الممرات والدهاليز والالعاب الالكترونية والشاشات، في داخله ترتفع كرة زجاجية ضخمة كأنها كوكب هبط واستقر على الارض فيه يتمكن الصغار والكبار في ان ينفذوا العابهم الالكترونية.

أما مدينة الموسيقى الملحقة بالمجمع فهي لا تزال قيد الانشاء. العلوم هنا تترك برجها العاجي كي تنزل في مدينة زجاجية وتخرج من عزلتها وسريتها وتصبح في متناول الجميع. تنقسم مدينة العلوم إلى اربعة اقسام اساسية: الاول تحت عنوان « من الارض إلى الكون »يدل شكل المتحف المعماري على هذا العنوان، فالكرة الزجاجية الضخمة تمثل الارض وبقية المجمع عبارة عن الكون. هنا نكتشف الكون من خلال الماء والنبات والضوء .

وفي داخله نشاهد حركة القارات الخمس . وينعكس ذلك على شاشات ضخمة . والبرامج الالكترونية متنوعة اذ نجدها من خلال النصوص والصور ومقتطفات من الافلام والافلام المتحركة.

والغرض من انشاء هذا القسم هو ايضاح ابعاد الكون المجردة للجمهور العريض حيث يطلع على حركة الكواكب والنجوم من خلال شاشات الكمبيوتر ويمكنك ان ترى الشمس التي تسطع في سماء باريس في أي لحظة من السنة .

القسم الثاني يطلق عليه « مغامرة الحياة » في هذا القسم يتمكن الجمهور من معرفة نشوء الحياة وتطورها وذلك من خلال الزراعة والبايلوجيا ( علم الاحياء ). الاجهزة الموجودة هنا تروي قصة الحياة. ويمكنك ان تسألها عن أشياء عديدة مثل موت بعض الاحياء او الانفجار السكاني في العالم فيأتيك الجواب عبرها!

وهناك ميكروسكوبات يمكنك ان تطلع من خلالها على حياة اصغر الحشرات بالاضافة إلى مشاهدة كيفية تكوين عمليات أطفال الانانيب وكذلك اكتشاف قوانين الوراثة وغيرها من النظريات العلمية .

القسم الثالث « المادة وعمل الانسان » يكتشف الجمهور هنا كيفية تحويل الانسان للمواد وبيعها واستخدامها وأهم ما يعرضه هذا القسم هو الطاقة بكل أشكالها . ترى كل ذلك من خلال الفيديو . أما القسم الرابع فهو يتعلق بـ « اللغة ووسائل الاتصال » اذ يتمكن الجمهور من التعرف على اصواته وطاقاته السمعية البصرية والايمائية.

ومن خلال الاجهزة المختصة يمكن ابتداع الالوان والصور والاصوات ومزجها بالصور المرئية على شاشات كبيرة . هذه الاجهزة قادرة على ابتداع لغة جديدة من الايماءات والتعابير. هنا نعثر على المواد الاولية للحياة اليومية، تلك المواد التي تبدو في نظرنا أشياء معقدة للغاية: الصوت، الضوء، الحركة، الجو.

ويحتوي المجمع أيضاً على صالة فخمة لاقامة المعارض، بالاضافة إلى صالة موسيقية ( الروك والكونسيرت ) تحتوي على 1200 مقعد وشاشة سينمائية بسعة عشرة الاف قدم، وهي شاشة دائرية ذات ابعاد ثلاثة تجسد الصورة. وللصغار نصيب كبير منه إذ بإمكانهم أن يكتشفوا بانفسهم أهم النظريات الفيزيائية وأعقدها، تحت إشراف 170 منشطا يقومون بأرشاد ملايين الزوار. ويسعى مدير المتحف موريس ليفي إلى إقامة الدورات العلمية لليابانيين والأمريكان لغرض استثمار المتحف من الناحية التجارية.

وهذا الإقبال يعود إلى أن هذا المتحف فريد من نوعه في العالم، فهو على عكس المتاحف الأخرى التي تعرض موجوداتها في أقفاص زجاجية، فالجمهور يمكنه أن يلمس الأجهزة ويشغلها ويستعملها بطريفة مسلية ويحاول مدير المتحف أن يربط الإنجازات التكنولوجية بالحياة اليومية وبما تمثله هذه الإنجازات من معان اجتماعية واقتصادية وثقافية للجمهور. ويأتي هذا المتحف استجابة لحاجة المجتمع الفرنسي إلى معرفة التكنولوجيا.

شاكر نوري