هذه الرواية «عالم صوفي» التي تبحر في تاريخ الفلسفة تجدر الإشارة إليها بأنها رواية متميزة ليس من خلال ترجمتها إلى أكثر من خمسين لغة عالمية واتساع مبيعاتها لأرقام خيالية ناهزت الثلاثين مليون نسخة فحسب، بل لأنها تجاوزت حتى توقعات مؤلِفها النرويجي جوستاين غاردر إلى الدرجة التي قال عنها: «لو كنت أعلم بأن عالم صوفي سيكون لها هذا الشأن لأبحرت جيدا في أعماقها».

والرواية التي تبدأ بمقولة للفيلسوف غوته: «الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة، يبقى في العتمة». تحولت إلى فيلم سينمائي ولعبة فيديو ونتج عنها جائزة تُعنى بالبيئة وتعرف باسمها «جائزة صوفي» أسسها مؤلفها غاردر بمعاونة زوجته. أما مؤلفها جوستاين غاردر المولود سنة 1952 فيعمل أستاذا للفلسفة ويمتهن التعليم جنبا إلى جنب مع ممارسته للأدب وأصدر عدة كتب وروايات وكانت روايته الثالثة «سر الصبر» قد قدمته للنرويج كروائي أيضا، وحازت على جائزة النقد الكبرى قبل أن تتوالى عليه الجوائز العالمية ولتقدمه رواية «عالم صوفي» إلى العالمية. عُرف عنه الكتابة للأطفال من خلال كتابة القصة داخل القصة وتأثر بالفلسفة الإسلامية وأصدر كتابا أسماه «الله أكبر» وانتقد إسرائيل وعارض الاعتراف بها بشكلها الحالي. له منهجه الخاص في الفلسفة يدعونا فيه أن ننظر إلى الحياة من حولنا بمنظور جديد.

تبدأ أحداث الرواية مع وصول رسالة تحمل اسم صوفي امندسون على صندوق بريد عائلتها بدون ذكر اسم وعنوان المرسل وبدون طابع أيضا، وفي داخلها ورقة بحجم الظرف مكتوب فيها فقط: «مَنْ أنتِ؟؟؟» تلك الرسالة الغامضة بعلامات استفهامها الثلاثة شوشت فكر صوفي لذلك وقفت أمام المرآة محدّثة نفسها: «أنا صوفي امندسون». ثم توجهت بالحديث إلى صورتها في المرآة: «أنتِ أنا».

ولكنها سرعان ما قلبت ترتيب الجملة: «أنا أنتِ». وهكذا وجدت صوفي نفسها مشغولة بقصة غير مألوفة، جاهدت أن تبقيها بعيدا عن علم أمها المنشغلة بعملها.

ولأن صوفي ظلت مشوشة تتجاذبها أسئلة محيرة عن سر الحياة ومَنْ تكون وجدت رغبة بتفحص صندوق البريد ثانية رغم علمها بأنها تفحصته جيدا، وكانت المفاجأة الثانية هناك، فقد وجدت رسالة ثانية مماثلة تحمل سؤالا آخر: «من أين جاء العالَم؟» وهو ما دفعها وسط كل ذلك التشويش إلى اللجوء إلى الكوخ المركون في الحديقة والذي اعتادت الإنزواء فيه عند الملمات للتأمل.

فهي تعرف نفسها وتعرف أن الأرض كرة صغيرة في قلب الكون الشاسع، وفي المدرسة علّموها أن الله خلق العالَم، ومع ذلك فإن الأسئلة التي وصلتها كانت مشوشة جدا.

سارعت صوفي بالعودة إلى صندوق البريد برغبة أكبر للمرة الثالثة فوجدت رسالة ثالثة تحمل طوابع بين الصحف والإعلانات ولتفاجأ أنّ الرسالة مرسلة بواسطتها إلى فتاة ثانية تدعى هيلد كناغ بمناسبة عيد ميلادها الخامس عشر، غير أنها لا تعرف تلك الفتاة التي تضاهيها عمرا. وهكذا وجدت صوفي نفسها خلال ساعات أمام ثلاثة أحاجي محيرة.

صوفي التي بقت مشوشة حتى خلال الدراسة في المدرسة رفضت أيضا عروض صديقتها جورون في لعب الورق أو الريشة الطائرة، لم يعد في اهتماماتها شيء كتفسير الرسائل التي وصلتها وكانت بانتظار المزيد، ثم وصلتها ثلاث رسائل متوالية من الشخص الذي آثر أن يكون مجهولا في البداية تحوي دروسا مطولة ومجانية في الفلسفة مع تمارين فكرية حولها، ومن أهم ما فيها مقولة قديمة وهي أن الميزة الوحيدة اللازمة لكي يصبح الواحد فيلسوفا جيدا هي مقدرته على الدهشة وألا يصبح المرء في هذا العالَم الملّغز من أولئك الذين يتقبلون العالَم كحتمية!

تواصلت الرسائل لصوفي وكان بعضها عن طريق الكلب هرمز والذي بنت معه صوفي علاقة طيبة. وعرجّت الرسائل إلى تفاصيل عن حياة وأفكار الفلاسفة الكبار سقراط، أفلاطون، أرسطو، الذين عاشوا في أثينا بعدما أصبحت العاصمة الثقافية للعالم اليوناني وانعطافة المدرسة الفلسفية بريادتهم هناك، واعتناءها بدراسة الإنسان وموقعه في المجتمع، قبل أن يصل شريط فيديو يُريها آثار الاكربول المطلة على أثينا بتفاصيل دقيقة.

وعرفت صوفي اسم فيلسوفها الغامض «البرتو كنوكس» وهو يشرح لها من خلال الفيلم تفاصيل حياة أثينا وفلاسفتها قبل الميلاد بقرون مع ظهور صورته وهو يقف على الآثار منبها إلى أهمية وعظمة المكان آنذاك، قبل أن يتحول شريط الفيديو إلى نقلة خيالية حين يصور أثينا قديما ويُريها فيلسوفها سقراط وتلميذه أفلاطون بملابس أثينا آنذاك، بل ويقوم بتعريفهما على صوفي أيضا، وليرحب بها أفلاطون طارحا عليها بعض الأسئلة المحيرة!

وتتواصل الدروس الطويلة مرورا بفلسفة القرون الوسطى التي استمرت لألف سنة ثم عصر النهضة وعصر التنوير ودور الديانات السماوية الثلاث في رفد الفلسفة أو التقاطع معها وأهمية الفلسفة الإسلامية في مرحلة لا زالت تأثيراتها حتى اليوم مرورا بفلاسفتها الكبار أمثال الكندي وابن باجة وابن طفيل وابن رشد والغزالي وابن خلدون المشهور بمقدمته، دروس ركزت على أهم المدارس الفلسفية والفلاسفة العظام.

فعرفت صوفي كيف ذاب المتصوفة في ذات الله كقطرة ماء حين تندمج بمياه المحيط. وعن ديكارت وإيمانه بأن العقل هو ذاته الروح، وعن نيوتن ونظرياته في الفيزياء ووصفه للنظام الشمسي وحركة الكواكب، وعن ماركس والفلسفة المادية التاريخية، وعن دارون ونظرية التطور، وعن فرويد وأهمية التنقيب الأثري في النفس البشرية من نظريته في اللاوعي وتأثيراتها في السريالية بإنبثاق مدرستهم المنفلتة من الرقابة التي يفرضها الوعي، وعن سارتر ومقولته: «إن الإنسان يشعر بنفسه غريبا جدا، في عالم يفتقر إلى المعنى».

والذي أودى لما عُرف بالمسرح العبثي. وتأثيرات الفلسفة الرومانسية، مرورا بأسماء ليس من السهل نسيانها، جاليلو، نيتشه، ديكارت، سبينوزا، لوك، ليبنيز، هيوم، هيغل، كيركجارد، كانت، روسو وغيرهم كثير، وأدركت صوفي مع ما تعلمته من دروس الفلسفة وآراء الفلاسفة أن الفلسفة شيء واجه كل جيل بل وكل فرد، وأن الإنسان المعاصر محكوم بأن يكون حرا، حرا في بحثه الدائم عن ذاته وعن وجوده والكون من حوله، وبحثه الدؤوب لفهم السر الإلهي، ذلك النور الأزلي، الذي كلما اقتربت منه وضحت الرؤيا وكلما ابتعدت عنه اقتربت من العتمة..

الكتاب: عالم صوفي

تأليف: جوستاين غاردر

الناشر: اش.اشنهوغ آند كامبني1991

الصفحات: 508 صفحة

القطع: المتوسط

Sophie's word

Jostin Gaarder

H. Aschehoug

and Company 1991

508P.

كريم السماوي

sama5678@yahoo.com