للمكان ذاكرة وأهمية تزداد كلما هرم، خاصة تلك الأمكنة التي تؤثر في الحياة اليومية وشعوب العالم تعتز بأمكنتها القديمة، وتعمل على صيانتها لإبقائها فاعلة في حياة الناس وشاهدة على تاريخ الشعوب.
وقاعة إفريقيا ليست أثيرة على نفسي فحسب بل أثيرة على كل فناني المسرح في الإمارات، خاصة الأجيال الأولى التي كانت هذه القاعة بيتهم المسرحي، وخشبتهم الناطقة، وستائرهم الراقصة.
تعرفت عليها عام 1979، زرت الإمارات على رأس وفد فني وكان العرض الأول على مسرحها، تعرفت على عبد اللطيف القرقاوي حيث كان يعمل في بلدية الشارقة ومنه علي عبد الله العباسي الصحفي البحريني سليط اللسان.
في عام 1980، حينما عدت للإمارات للبقاء تحت سمائها وفي الأسبوع الأول من وصولي أعلن مسرح الشارقة الوطني عن عرض مسرحي سرعان ما وجدت نفسي وأنا الغريب أنساق إلى قاعة إفريقيا إلا أن العرض ألغاه المخرج عبد الله المناعي، وصادفت مجموعة من الفتيان تحلقوا حولي ببساطة، وسرعان ما منحوني حبهم وصداقتهم، وافتخر الآن بهم بعد أن أصبحوا فنانين كبار أعتز بأعمالهم وزمالتهم رغم أنهم بمثابة أبنائي، أذكر منهم عمر غباش، محمد الدوسري، رائد فريد، جمال مطر، ناجي الحاي، أحمد الشيخ، ومن خلالهم تعرفت على يوسف خليل، أحمد راشد ثاني، محسن محمد وآخرين.. كانوا أول أصدقاء يكسرون غربتي يوم كانت تشكل عندي غماً وهماً، وأنا أترك وطني مكرهاً.
وتتسارع الأيام، تصبح قاعة أفريقيا بيتي، ومكان عملي، كنا نفترش أرضها، أو خشبتها، ونعرق، نسهر حتى الفجر، إلا أن تعبنا يزول وعرقنا يجف عندما نفتح الستارة أمام تصفيق جمهورنا الذي كان غزيراً جداً.
أول أيام الشارقة المسرحية احتضنتها قاعة أفريقيا.
أول تجارب مسرح الطفل كانت في أحضان قاعة أفريقيا. وأجمل المسرحيات كانت على خشبة هذه القاعة التي لا يمكن أن تنسى بعد أن أصبحت جزءاً من تاريخ السياسة والفن والحديث يطول حول تاريخها التفصيلي الحافل بالإنجازات، والمناسبات.
هجرناها ذات يوم، لم يبادر أحد على صيانتها، أو تجديدها، أو تأهيلها لعروض مسرحية تضاف إلى مسارح الشارقة الجديدة، هي ذاكرتنا جميعاً فلماذا نقتل هذه الذاكرة؟ لم نتركها للنسيان والإهمال ونهمشها إلى حين تتساقط جدرانها فنموت، ويموت معها تاريخ طويل نعتز به.
من هذا المنبر التمس من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، راعي مسرحنا والمحافظ على تراثنا، والرافد الأساسي لثقافتنا، وهو أصلاً ذاكرة حية تنبض كل دقيقة بألف بادرة، أناشد مقام سموه أن يعيد تأهيل قاعة أفريقيا، ويعيدها للحياة، لا أعتقد أن جدرانها منخورة، أو أساسها قد تداعي، هي بحاجة إلى التفاتة سامية ومبادرة من السلطة العليا لتعود للحياة، لتعود معها ذاكرة كبيرة لعشرات من فناني هذا البلد الطيب.
