تتردد كثيرا في الغرب خلال الآونة الأخيرة مقولة مفادها ان الغرب أصبح ينظر إلى نفسه وكأنه «قلعة محاصرة». حالة الحصار هذه يعيشها الغربيون على مستوى مزدوج. أولا على المستوى الداخلي حيث تتفاقم أزمة بنيوية تهدد المنظومة الغربية من أساسها. وعلى الصعيد الخارجي حيث أصبح الغرب محاطا ب«الخصوم». هذا إذا لم يكن ب«الأعداء».
هذه المقولة هي التي يتم شرحها في كتاب «الغرب مريض بالغرب» لمؤلفيه الصحافيين مارتين بولار وجاك ديون، وتتمثل إحدى الأفكار الرئيسية التي تتردد في تحليلات الكتاب بالقول ان العالم يمكن اختزاله من وجهة نظر غربية- وسطية على أنه مجرد مواجهة أبدية «بينهم»، والمقصود بهم أساسا الصينيين والروس والعرب والمسلمين، و»بيننا» أي الغربيين.
مثل هذه النظرة التي ترددها أغلبية النخب الغربية تنسى، كما يشير المؤلفان، أن الغرب لا يمثل سوى جزء من البشرية وأن هناك قوى أخرى، قديمة وجديدة، لها الحق في أن تطالب بموقعها على رقعة الشطرنج العالمية.
وتنسى هذه النخب أيضا التذكير أن السيطرة الغربية لم تكن قائمة باستمرار في التاريخ. وهي تجهل أيضا التبادل القائم المستدام بين الحضارات والثقافات والشعوب، تلك التي ساهمت كلها في بناء حضارة إنسانية لا يملك أحد حق احتكارها لنفسه.
هذا «العالم القادم» يتم تعريفه بالقول ان «العالم يشهد بداية تغيّر جيوستراتيجي يجري أمامه مباشرة، والبعض يجدون صعوبة كبيرة في التأقلم معه».
وينقل المؤلفان عن «روبرت كوبر»، المدير العام للعلاقات الخارجية في مجلس الاتحاد الأوروبي واعترافه الصريح بذلك عندما قال: «إننا لم نعد في عالم يقوده البيض كما كان الأمر حتى عام 1989 وفي ظل الحرب الباردة (...). إن العولمة نقلت السياسة إلى عالم من القارّات».
كذلك لا يتردد المؤلفان في القول أنه على الصعيد الإيديولوجي «تمثل الأزمة البنيوية التي انطلقت خلال 2007-2008، والتي لا تزال تبرز نتائجها حتى الآن» بالنسبة للمعسكر الغربي ما شكّله انهيار جدار برلين بالنسبة للمعسكر الشيوعي».
لكنهما يؤكدان بنفس الوقت أن الأمر لن ينتهي إلى انهيار الرأسمالية. ما يجري هو أن مجموعة من القيم التي اعتقد الآباء المؤسسون أنها «محفورة في الصخر» هي الآن بصدد التفكك.بالمقابل هناك ملامح عالم جديد ترتسم «لا تزال مشوشة أحيانا»، كما نقرأ.
لكن ما هو ثابت وأكيد هو أن الغرب «مأزوم»، كما يبدو في الصورة. هذا خاصة أنه محكوم إلى درجة كبيرة بالنموذج ؟ الموديل - الأميركي، المهتز هو الآخر والذي فقد الكثير من بريقه على الصعيد العالمي خلال السنوات الأخيرة. ويتمّ التأكيد أن المسار القادم فيما يتعلّق بمسيرة التغيّر لن يعرف التطوّر على وتيرة واحدة «لكن المسار قد بدأ»، كما نقرأ.
إن الغرب الذي يقصده المؤلفان مارتين بولار وجاك ديون يتجاوز حدود الجغرافيا، ولا يقتصر على أوروبا الغربية والولايات المتحدة وكندا، كما يقول كُثر، بل يمتد إلى استراليا ونيوزلندا الجديدة واليابان. وما هو الغرب إذن؟ يتساءلان ويستعيران من المفكر الليبرالي الفرنسي غي سورمان تعبيرا يقول «الغرب حالة ذهنية».
المؤلفان في سطور
مارتين بولار باحثة اقتصادية وهي نائبة رئيس تحرير مجلة «لوموند ديبلوماتيك» الشهيرة الصادرة عن مؤسسة «لوموند»، كما أنها مسؤولة في المجلة عن قطاع آسيا. سبق لها وقدمت كتابا تحت عنوان «الصين والهند: سباق التنين والفيل». وجاك ديون هو نائب رئيس مجلة «ماريان» الباريسية الأسبوعية وهو أحد مؤلفي كتاب «على مسار الثروات الكبيرة».
الكتاب: الغرب مريض بالغرب
تأليف: مارتين بولارجاك ديون
الناشر: فايار باريس 2009
الصفحات: 315 صفحة
القطع: المتوسط
L'Occident malade de tnediccO'l
draluB enitraM، Jacques Dion
Fayard - Paris 2009
315P.
