لم يكن من قبيل الصدفة أن تنوه اللجنة الملكية في حيثيات منحها جائزة نوبل للأدب لهيرنامولر بأنها «تصور بتكثيف للشعر والصراحة النثرية أرض المغتربين».

الواقع أن ما تحاول مولر اجتراحه في روايتها «أرض البرقوق الأخضر» التي تعد من أبرز رواياتها إلى جوار روايتي «الموعد» و«جواز سفر» هو أن توجد، من خلال لغة شاعرية غنائية فريدة، خلق عالم موازٍ لعالم البشاعة المادية والروحية التي دفعت واقع الحياة الذي تتناوله روايتها، التي تسخر فيها من رجال النظام الذين تصورهم كلصوص لثمار البرقوق من غصون أشجارها.

في هذه الرواية تختلط البشاعة والوحشية بالغباء والشر في عالم يشبه الخيال، إلا أنه على وجه الدقة العالم الذي عاشته المؤلفة والملايين من بيني وطنها في مرحلة من الحياة تركت بصمتها عليهم بصورة تستعصى على الإزالة.

تبدأ الرواية في السكن الطلابي لجامعة نسائية، حيث ينصب التركيز في البداية على لولا، الطالبة القادمة من الريف، والتي تنطلق في سلسلة من الصلات العاطفية مع الغرباء، وتنتهي بصلة عاطفية مع أحد المسؤولين الحزبيين، وعندما تصبح هذه الصلة عبئاً يثقل كاهله، فإنه يتم العثور عليها مشنوقة في المسكن الطلابي الذي تقيم به. وعند هذا المنعطف من الرواية لا تكون الرواية التي تسرد الرواية على لسانها قد ميزت نفسها بعد.

ولكن في نهاية الرواية، ستعبر الرواية صراحة عن مشاعرها وعن معارضتها للنظام الذي أودى بحياة العديد من أصدقائها، بل إنها لن تتردد في أن تقول لنا: «تمنيت أن يحمل من يحقق معي غرارة مليئة بجثث كل من قتلهم. تمنيت أن تفوح من شعره حديث الحلاقة رائحة مقبرة جز نجيلها حديثاً عندما يجلس إلى المائدة مع حفيده بعد العمل. ولسوف يشعر ذلك الصبي بالاشمئزاز حيال الأصابع التي تقدم له الكعك».

وبداية نجد أن مقاومة الرواية ستأخذ شكل إدراك متنام لانحراف المجتمع الروماني، الذي تناضل توصيفاتها لتعكس المنطق السوريالي للنظام، ويبدو لنا هذا المنطق، إن صحت التسمية، بالغ الغرابة بحيث نكاد نرى أحذية عالية الكعب تسير وكأنما منحت حياة من ذاتها، دون أن تقع العين على من تنقلها، ونرى الرجال يلهثون وراء لولا مثلما الكلاب الجائعة، ونشهد الفلاحين يهجرون الريف إلى المدينة للالتحاق بالعمل في مصانع تنتج سلعاً تتحدى المنطقي والمعقول. وتشكل هذه الجزئيات جانباً من مجموعة الصور التي تتوالى بلا انتهاء على امتداد الرواية.

وعلى امتداد الرواية أيضاً سنجد أن ثمار الخوخ الخضراء التي يشير إليها العنوان تلتهم بمزيد من الشراهة، ونجد عمال المسالخ يسرقون قطعاً من أحشاء الحيوانات ويشربون دمها الساخن، في مشاهد متتابعة، تنقل لنا الإحساس بأن الجمهور يعمل نفسه باضطراد استهلاك الوقائع السامة للعالم الذي يعيش فيه، وتحقق هذه الصورة تأثيراً أعظم بعد أن يقال لنا إن الدكتاتور المصاب بسرطان الدم قد اعتاد على استهلاك الدم المنتزع، على نحو وحشي من رؤوس الأطفال حديثي الولادة، ليزود دمه بخلايا الدم الحمراء.

وتصادق الرواية مجموعة ترفض تصديق أن موت لولا كان انتحاراً، وهم يستقطبون اهتمام الشرطة السرية نظراً لقيامهم بأنشطة تخريبية، من قبيل الغناء الشعبي وقراءة الأدب الألماني. وتورد الرواية قائمة بالتداعي الذهني والعقلي والأخلاقي الذي تتعرض له المجموعة تحت وطأة التحقيق الحتمي وما يعقبه من ترصد وتحرش من جانب الشرطة السرية.

ويلفت نظرنا أن السرد لا ينظم نفسه في إطار ترتيب زمني صارم، وإنما ينطلق بدلاً من ذلك في إطار سلسلة من الارتباطات بما في ذلك ذكريات الرواية عن حياتها في دارها. وهذه الشذرات تقدم في صيغة من الجمل ذات الأخطاء النحوية والنثر المكبوح الذي يقدم قدراً محدوداً من التورط في الأحداث من جانب الرواية.

وتلاحظ أن السرد تدفعه قدماً بالطبع عمليات تطور الحالة النفسية للرواية، المشتقة من الارتباطات التي تقوم بها بين ظاهرة وأخرى ومن الاصطلاحات التي تدرك العالم من خلالها. ويحلق المخزون المتكرر من الصور الرئيسية واقعاً رهابياً لا سبيل إلى الهرب منه تحمله الرواية معها في أعماقها حيثما مضت، حتى بعد أن تفلح في الهرب إلى ألمانيا.

وتصور الرواية بصورة دقيقة الطريقة التي يتم من خلالها التلاعب بأسوأ الغرائز، وخاصة الخوف والطمع، من جانب الدولة لاكتساب تواطؤ الجمهور معها. ومع نهاية الرواية يغدو واضحاً أن أولئك الذين عانوا في ظل نظام شاوشيسكو لم يعد بمقدورهم التخلص من الشك الذي يواصلون من خلاله النظر إلى أي شخص وإلى أي شيء حولهم، تماماً كما أن القارئ يعجز عن نسيان الصور التي يقدم النظام من خلالها.

وهذه القوة الهادرة في التصوير لا تقتصر على هذه الرواية وحدها، ففي رواية مولر «الموعد» سيجد القارئ نفسه على موعد مع تجسيد للخيانة والخداع في أكثر من مستوى وعلى أكثر من مسار لتصبح مجازاً روائياً لواقع الحياة كما عاشها الكثيرون في ظل نظام شاوشيسكو.

ونجد أصداء من هذا كله في رواية مولر الأخرى الشهيرة «جواز سفر» التي نشرت عام 1986 وترجمت إلى الإنجليزية في 1989.

ولعله مما يثير الاهتمام، في نهاية المطاف، أن مولر والكثير من الكتّاب الذين هاجروا إلى الغرب بحثاً عن الحرية، لم يجدوا أنفسهم إلا في مواجهة اغتراب لا خلاص منه، وعاشوا تحت أفق عالم يعجزون عن التوحد أو التماهي معه، وهي ظاهرة جديرة حقاً بالدراسة والفهم.

حراس البنايات

«خلال تجوالي، لم أر المعتوهين ومتعلقاتهم المعلقة لتجف فحسب، وإنما رأيت أيضاً الحراس يمضون جيئة وذهاباً في الشوارع. شبان ذوو أسنان مصفرة يقفون حراساً عند مداخل بنايات كبيرة، خارج المحال، في الميادين، عند مواقف الترام، في الحدائق، أمام الفنادق، خارج المحطة.

ولم تكن ملابسهم ملائمة لهم، فهي إما واسعة للغاية أو ضيقة للغاية، وكانوا يعرفون أين توجد أشجار الخوخ في كل مخفر يحرسونه، بل إنهم سلكوا طرقاً دائرية للمرور بقربها.

وإذا انحنت فروعها، فقد ملأ الحراس جيوبهم بثمار الخوخ الخضراء، وراحوا يقطفونها مسرعين، وانتفخت جيوبهم، وكان قطاف مرة واحدة يفترض أن يكفيهم وقتاً طويلاً. وبعد أن ملأوا جيوبهم كانوا يمضون مسرعين تاركين الأشجار وراءهم. وكان لقب «مصاص الخوخ» سبة، تقال للانتهازيين والمجرمين ومن يدهسون على الجثث بلا ندم. وكان هذا اللقب يطلق على الدكتاتور أيضاً.

الكتاب: أرض الخوخ الأخضر

المؤلف: هيرتا مولر

الناشر: متروبوليتان بوكس نيويورك 2002

الصفحات: 242 صفحة

القطع: المتوسط

The Land of Green Plums

Herta Muller

Metrapalitan Books,N.Y.,2002

242P.