قليلون هم العلماء في تخصص ما، بينما من يتابعون ويتفحصون منابع الفكر والتاريخ، هم أقدر على المحاورات العميقة وتوليد الرؤى الفكرية. منهم العالم «أحمد فؤاد باشا»، وقد أصدر كتابه «دراسات إسلامية في الفكر العلمي» للمرة الأولى عام 1997م، وأعيد نشره هذا العام 2009م. يقول الكاتب في مقدمته، أنها مجموعة من الأفكار التي تمثل مدخلا لتبادل الرأي والحوار حول أسس تكوين العقلية الإسلامية المعاصرة وترشيدها عن طريق بلورة نظرية عامة للعلم والتقنية، في إطار من التصور الإسلامي.

ويرى الكاتب أنه ليس في وسع المتخصصين في فلسفة العلوم العرب اليوم، إلا متابعة إحدى الطريقين: الانزلاق إلى متاهات المدارس الفلسفية والمتنوعة أو محاولة صياغة فلسفة تخصهم على أساس القيم والعقيدة.. وهو ما سعى «د.أحمد فؤاد باشا» أن يحققه في هذا الكتاب.

حدد المؤلف بعض المحاور للمناقشة، أولها: طبيعة العلاقة بين ثلاثية العلم والفلسفة والدين، مستشهدا بالآيات القرآنية بأن العلم قرين الإنسان منذ خلقه الله تعالى (سورة البقرة30 ـ 33)، حيث أشارت الآيات الكريمات إلى أن الله علم «آدم» الأسماء كلها، بينما يولد الإنسان على الأرض لا علم له، فيدعو الإسلام إلى العلم، ويحثه على اكتساب المعارف والاستفادة من تطبيقاتها. ولم يكن الإنسان في أي مرحلة من مراحل تاريخه بعيدا عما يمكن اعتباره ممارسة لعملية التفكير، وبالممارسة وتركم الخبرات والمعارف أفاد منها.

ثم أشار أحمد فؤاد باشا إلى أن الحركات العلمية في الإسلام سبقت الدراسات الفلسفية، حيث عنى «خالد بن يزيد الأموي» بالكيمياء والطب والنجوم، ودعا إلى ترجمة رسائل فيها عن اليونانية والقبطية. وليس أدل على عمق العلاقة بين العلم والفلسفة الإسلامية، من وجود ما عرف بفلسفة العلوم، من مناهج بحث، ولكن بمنظور إسلامي.

أما ثاني المحاور التي حددها الكاتب: التطور التاريخي لمفهوم نظرية العلم، والتي انتهى منها بأن الفيلسوف الألماني «فتشة» أول من وضع مصطلح «نظرية العلم»، ومع دخول العلم إلى مراحل جديدة من تطوره بظهور «العلوم الذرية»، وظهور نظرية النسبية ونظرية الكم ، أخذ جانب الحذر من مبدأ الحتمية المطلقة (لنيوتن) وغير ذلك.

ثم مع ظهور الإنتاج الصناعي هائل الكمية مع ثورة التقنية الهائلة، بدأ الإحساس بالقلق، بسبب أن الإنتاج لم يعد يسير وفقا للبحث العلمي هادئا، بل أصبح سلاحا في الإنتاج الكمي وفي الحروب.

وهو ما أدى إلى تغيير مفاهيم علمية كانت راسخة.. بحيث تشعبت القضايا في ظل التأثير بين العلم والإنسان والمجتمع، ونشأ ما يسمى ب«علم العلم»، الذي يبحث في مناهج العلم، ولغة العلم، بالإضافة إلى أنطولوجيا العلم (وهو المعنى بالبحث في كشف طبيعة الوجود اللامادي في القضايا الميتافيزيقية الناتجة عن المفاهيم والقوانين العلمية).. و أبستمولوجيا العلم (المعنى بالبحث في نظرية العلم من حيث معرفة مصادر المعرفة العلمية وطبيعتها)..

وأكسيولوجيا العلم (المعنى بالقيم ومدى ارتباطها بالعلم وخصائص التفكير العلمي).. وسبكولوجيا العلم (المعني بالبحث في العمليات النفسية والعقلية التي تتعلق بالعلم).. وسوسيولوجيا العلم (وتعني بالبحث في التفسير الاجتماعي لتطور النظريات العلمية ومدى تقبل المجتمع لها).. ثم تاريخ العلم.

المؤلف في سطور

أحمد فؤاد باشا من مواليد نوفمبر 1942م بمحافظة الشرقية ؟ مصر ـ أستاذ الفيزياء ونائب رئيس جامعة القاهرة لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة ـ العميد السابق لكلية العلوم جامعة القاهرة ـ عضو (المجمع العلمي المصري ـ المجمع المصري للثقافة العلمية ـ اللجنة القومية للفيزيقا البحتة والتطبيقية ـ اللجنة القومية لتاريخ وفلسفة العلم ـ الجمعية المصرية الفيزيقية ـ الجمعية المصرية لعلوم المواد وتطبيقاتها ـ نائب رئيس مركز بحوث ودراسات التراث في العلوم الطبيعية بجامعة القاهرة ـ الجمعية المصرية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة المجلس الأعلى للثقافة (لجنة الثقافة العلمية) ـ إنتاجه العلمي في مجال الفيزياء حوالي 40 بحثًا منشورًا في المجلات العلمية المتخصصة ـ شارك في العديد من المؤتمرات والندوات المتخصصة في العلوم الفيزيائية، والمعنية بتاريخ العلم وفلسفته، وقضايا التراث العلمي، والثقافة العلمية الإسلامية ـ شارك بالتأليف والترجمة في إصدار عدة كتب وموسوعات في مجالات الفيزياء والرياضيات، وتبسيط العلوم للأطفال، والناشئة، والكبار.

الكتاب: دراسات إسلامية في الفكر العلمي

تأليف : أحمد فؤاد باشا

الناشر: هيئة قصور الثقافة (سلسلة الفكر) 2009

الصفحات: 201 صفحة

القطع : المتوسط

السيد نجم