ذاكرة القدس الفنية لم تُكتب على أرضها فقط، وفي بعض مسارحها وعلى دار إذاعتها وحسب. بل كُتبت عبر ذلك التواصل الحي الذي أبدته الأغنية العربية في غير بلد عربي، مع آلام وأحزان القدس.
هكذا يرى محمد منصور في كتابه (القدس ذاكرة فنية عربية«، فقد تدفقت الأغنيات لكبار الشعراء والملحنين والمطربين العرب، فقدَّم الرحابنة اثني عشر عملاً غنائياً عن القضية الفلسطينية، ما حدا بأهالي مدينة القدس أن يمنحوا «فيروز» مفتاح مدينتهم.انَّ الغناء لفلسطين بدأ مع أول فصول النكبة، وكانت قصيدة (فلسطين ) للشاعر علي محمود طه التي لحنَّها وغنَّاها محمد عبد الوهاب عقب النكبة في أربعينيات القرن العشرين، من أشهر ما غُنى في تلك الفترة إذ يقول فيها:
أخي إنَّ في القدس أختاً لنا
أعدَّ لها الذابحون المُدى
صبرنا على غدرهم قادرينا
وكنَّا لهم قدراً مُرصدا
كما هزَّ اغتصاب فلسطين الكثير من الفنانين في سوريا والوطن العربي ومنهم (مصطفى هلال 1911-1967) الذي كان نقيباً للموسيقيين، فغنى (مصرع البطل) من شعر عبد الله البداوي وغناء نهاوند وأذيعت في إذاعة دمشق بتاريخ9/11/1948. كما غنى عبد الحليم حافظ بعد سقوط القدس الشرقية في حرب 1967 أغنية (المسيح) من شعر عبد الرحمن الأبنودي وألحان بليغ حمدي، وقد حرص عبد الحليم حافظ أن يغني هذه الأغنية في حفلته الشهيرة في قاعة ألبرت هول في مدينة لندن عام 1968.
لكن ومع نهاية الستينيات من القرن العشرين، كانت ظاهرة العمل الفدائي الفلسطيني قد شكَّلت أملاً حقيقياً في وجدان الشعب العربي عموماً والفلسطيني على وجه الخصوص، فجاءت العديد من الأغنيات لتحتفل بهذا الفدائي، على أن أبرز هذه الأغنيات كان أغنية (أصبح عندي الآن بندقية 1969) وهي أوَّل لقاء يجمع نزار قباني وأم كلثوم، ولحنها محمد عبد الوهاب تقول فيها:
أصبح عندي الآن بندقية
إلى فلسطين خذوني معكم
وقد تحوَّلت أغنية «أصبح عندي الآن بندقية» واحدة من كلاسيكيات الغناء لفلسطين، وعنواناً من عناوين برامج الثورة في ذلك الحين.
في صبيحة يوم 22 أغسطس 1969 قام اليهودي المتطرِّف «مايكل دينس روهن» بإحراق المسجد الأقصى حيث تمَّ حرق الجامع القبلي الذي سقط قسمه الشرقي بالكامل، كما احترق منبر نور الدين زنكي الذي أمر ببنائه قبل تحرير المسجد الأقصى من الصليبيين، وقام صلاح الدين الأيوبي بوضعه داخل المسجد بعد التحرير فعرف باسمه. فكتب حينها الشاعر محمود حسن إسماعيل قصيدته (قومي إلى الصلاة):
وعادت الطيورُ في المساء
فلم تجد في القبَّة الضياء
فلحنَّها رياض السنباطي وغنَّتها سعاد محمد. كما غنَّت للقدس أيضاً المطربة نجاح سلام (يا قدسنا، من بحار الخوف).ومع انتفاضة الحجارة التي اندلعت أواخر 1987 ظهرت العديد من الأغنيات منها: (زنابق لمزهرية فيروز) من شعر سميح القاسم وغناء الفنان البحريني خالد الشيخ مع الفنانة المغربية رجاء بلمليح، كما غنَّى كاظم الساهر من ألحانه مع الفنانة التونسية لطيفة أغنية (من ينقذ الإنسان) من أشعار نزار قباني.
غير أنَّ تاريخ القدس مع الأغنيات التي صوَّرت قدسية مكانتها، واستلهمت ذاكرتها ومأساتها، لا يبدو أنه يبرهن على صحة هذه المقولة، وخصوصاً إذا عادت بنا الذاكرة إلى أشعار الأخوين رحباني ونزار قباني وسميح القاسم وعبد الرحمن الأبنودي ومحمود حسن إسماعيل... ومناخات فنية أخرى صنعها زمن فيروز والرحابنة وأم كلثوم و محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وبليغ حمدي وسعاد محمد ورياض السنباطي وخالد الشيخ وكاظم الساهر، وبدا فيها العمل الفني الغنائي قادراً على رسم صور أكثر فرادة لتحولات هذه المدينة المقدَّسة، ومكانتها في ذاكرة ونفوس العرب والمسلمين.
المؤلف في سطور
محمد منصور صحافي وناقد ومعد برامج تلفزيونية، مواليد دمشق 1970، يحمل إجازة في النقد والأدب المسرحي دمشق 1992، صدر له ثلاث مجموعات قصصية: مشهد إضافي 1996، توت الشام 1997، سيرة العشاق 1999. وفي الدراسات السياسية (الصندوق الأسود للديكتاتورية)دار كنعان 2004.
وفي النقد الفني: الكوميديا في السينما العربية وزارة الثقافة دمشق 2003، فيروز والفن الرحباني دمشق 2004، علاء الدين كوكش دراما التأسيس والتغيير دمشق 2009، بسام الملا البيئة الدمشقية دمشق 2009.
الكتاب: القدس ذاكرة فنية عربية
تأليف: محمد منصور
الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2009
الصفحات: 128 صفحة
القطع : الكبير
أنور محمد

