يتضمن هذا الكتاب مناقشات موسعة لمفهوم «اقتصاد السوق الاجتماعي» من قبل مجموعة من الباحثين الاقتصاديين السوريين وذلك بقصد إزالة الالتباس الذي اكتنف هذا المصطلح منذ دخوله في نطاق التداول في سورية قبل سنوات، وإلقاء الضوء على هذه التجربة، إيجابياتها وسلبياتها، وآفاقها المستقبلية.
كان الاقتصاد السوري قد خضع لسلسلة من السياسات التي غلب عليها التوجه الحكومي، بدءاً بالتحويل الاشتراكي في الستينات، مروراً بطرح شعار التعددية الاقتصادية في السبعينات، ثم بدأ التوجه نحو الأخذ ببعض آليات السوق في التسعينات، وفي مطلع القرن الحادي والعشرين احتدم الصراع بين دعاة التوجه نحو العولمة وتحرير التجارة والاندماج بالاقتصاد العالمي، وبين دعاة التمسك بدور الدولة الاقتصادي، والحفاظ على ما تحقق في إطار تجربة التحويل الاشتراكي، فظهر نتيجة لذلك هذا المصطلح التوفيقي.إن مصطلح «اقتصاد السوق الاجتماعي» ليس جديداً على مستوى العالم، فقد ظهر لأول مرة في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وتبنته مجموعة «فرايبوك» التي كانت تضم مجموعة من المفكرين الاقتصاديين.
وكان القصد منه بناء طريق ثالثة بين الرأسمالية والاشتراكية، وذلك بالجمع بين فكر آدم سميث وفكر كارل ماركس، والتوفيق ما بين الفعالية الاقتصادية التي يوفرها السوق الحر، والحاجة إلى العدالة الاجتماعية.. وكانت تطلق على هذا الاقتصاد تسميات مثل (الليبرالية المنظمة) و(الرأسمالية الملطفة).
وكان العالم الاقتصادي «لودفيج إرهارد» أبرز مَنْ نادى به، ولأنه كان عضواً بارزاً في الحزب الديمقراطي المسيحي فقد اعتُمِدَ المصطلح بوصفه شعاراً انتخابياً لهذا الحزب سنة 1948، وقد تم توضيح معنى الشعار على أنه: نهج لتطويق قوى السوق بإجراءات سياسية واجتماعية فعالة، عن طريق خلق حالة تشاركية بين أرباب العمل والنقابات العمالية والأحزاب السياسية.
من جهة أخرى، لقد تم تصنيف الدول التي تعتمد على اقتصاد السوق الاجتماعي، وقد أطلق عليها اسم (الحانية أو الراعية)، ضمن ثلاثة أنماط، هي:
أولاً ـ النمط الاجتماعي ـ الديمقراطي.. الذي تلعب فيه الدولة دوراً محورياً مباشراً في تأمين المخاطر الاجتماعية، فتقدمُ أقصى تغطية للحاجات الاجتماعية الناجمة عن البطالة والمرض والشيخوخة، وتنتمي إلى هذا النمط الدولُ الاسكندنافية كالسويد وغيرها.
ثانياً ـ النمط الليبرالي، وتتميز به بريطانيا، حيث تقوم الدولة بتأمين الحد الأدنى (فقط) من الاحتياجات الاجتماعية، تاركة للمؤسسات الإنتاجية والشركات الخاصة مهمة تأمين ما يزيد عن الحد الأدنى.
ثالثاً ـ النمط التعاوني الشائع في فرنسا وألمانيا، ويعتمد على مؤسسات تديرها وتمولها أطراف العلاقة الإنتاجية ممثلة بنقابات العمال، ونقابات أرباب العمل، ولا تتدخل فيه الدولة إلا في حدود إعانة الأسر كثيرة الأولاد والشرائح الأكثر فقراً.
لقد نجحت ألمانيا آنذاك في هذه التجربة وتم تقرير تسوية الأجور وتخصيص أموال وفيرة للتدريب والتأهيل والرعاية الصحية، ومبالغ للمكافآت والعلاوات. ووصلت «السويد»، بضغط من الأحزاب الاشتراكية، وبفضل تبنيها للنمط الاجتماعي ـ الديمقراطي، إلى حالة متقدمة جداً من العدالة الاجتماعية من حيث شمولية واتساع وطابع ونوعية المكتسبات المعيشية والصحية والخدمية لأفراد المجتمع.
وفي اليابان أُلزمت جميع الشركات الخاصة بتوقيع عقود دائمة لتثبيت عمالها مدى الحياة، وتنوعت بالتالي أشكال الضبط الاجتماعي لاقتصاد السوق.
وبالعودة إلى الوضع السوري فإنه يمكننا النظر إلى الطريقة التي وضع بموجبها مصطلح «اقتصاد السوق الاجتماعي» موضع التطبيق في سورية، استجابة لمقررات مؤتمر الحزب الحاكم، من زاويتين:
الأولى ـ تم تبني سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى إعادة هيكلة الاقتصاد السوري، وفق نهج السوق، وذلك بإعادة العمل بقوانين السوق المعروفة، كالعرض والطلب، وتوفير البنية المساعدة لنمو السوق، كالمصارف، وشركات التأمين، والسوق المالي، وتحديث جملة من القوانين الأساسية، كقانون التجارة، وقانون الشركات والاستثمار، وقانون الصيرفة، وقانون العمل، والسعي لفتح الأسواق الخارجية أمام المنتجات السورية، سواءً أتعلق ذلك بالمشاركة في المنظمات التجارية الدولية، أم في التجمعات الاقتصادية الإقليمية، وتشجيع كل ما يؤدي إلى توليد فرص جديدة لزيادة الدخل الوطني.
الثانية ـ وتم تبني سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى معالجة الهم الاجتماعي، تسعى للنهوض بالمستوى المادي والاجتماعي والثقافي للمواطن السوري الذي يعتبر ـ نظرياً ـ محرك التنمية وغايتها، عن طريق توزيع الدخل الوطني بشكل تنتفي معه إمكانية انقسام المجتمع إلى فئة قليلة تستأثر بالثروات، وأخرى تشكل السواد الأعظم من الشعب تعيش على خط الفقر، أو في قعره السحيق.
التهريب والاستهلاك
إن خزينة الدولة كانت تقدم الدعم للمواد التي يستهلكها عامة المواطنين ويكون الطلب عليها ثابتاً كالخبز والمازوت والسكر والأرز والشاي، ونتيجة لهذا الدعم تعاظمت عمليات التهريب وبالأخص لمادة المازوت إلى تركيا ولبنان، وهذا التهريب، كان وما يزال يسبب نزيفاً دائماً ومؤلماً للاقتصاد السوري.
الكتاب: اقتصاد السوق الاجتماعي بين المفهوم والتطبيق
تأليف: مجموعة من الباحثين
الناشر: دار نون 4حلب 2009
الصفحات:190 صفحة
القطع: المتوسط
خطيب بدلة

