يعتبر كتاب «تركيا في سنوات الحرب العالمية الثانية» لمؤلفته سعاد حسن جواد محاولة جادة لكتابة التطورات التاريخية لتركيا، في أبرز مرحلة تاريخية شهدها القرن الماضي، وهي سنوات الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، والتي تميزت بشمولية أحداثها وعمق تأثيراتها واستمرار نتائجها لفترة طويلة وانعكاس هذه النتائج على معظم دول العالم وحتى المحايد منها.

اتسم الموقف التركي قبيل الحرب العالمية الثانية بانحياز واضح نحو الحلفاء مع الاحتفاظ بتعامل اقتصادي نشط مع ألمانيا، وعلاقات قائمة مع الاتحاد السوفييتي، رغم ميراث العداء التاريخي، وعلاقات مشوبة بالحذر والقلق من إيطاليا بسبب تصريحات موسوليني المستمرة بضرورة التوسع الإيطالي نحو الشرق الأوروبي والحديث المستمر عن البحر المتوسط باعتباره بحيرة إيطالية.شهدت تلك الفترة تحالفاً تركياً مع الجانب الأنجلو ـ فرنسي، وتوقيع ميثاق عدم الاعتداء مع ألمانيا والاتحاد السوفييتي، وتحالف ألمانيا وإيطاليا. وتمسك القادة الأتراك بإعلان الحياد موقفاً رسمياً للدولة رغبة منهم في الحفاظ على وحدة وسلامة أراضي الدولة، وللمناورة ما بين الكتلتين المتصارعتين، وهو ما صرح به شكري أوغلو وزير الخارجية التركي آنذاك قائلاً: نحن مع جبهة السلام، وسوف نحافظ على علاقات اعتيادية مع الجميع بما فيهم ألمانيا وإيطاليا،.

وساعدت ظروف ومجريات الحرب على مختلف الجبهات، بالإضافة إلى الهدف الاستراتيجي التركي في الحفاظ على سلامة الأراضي التركية، في جعل الحياد التركي قلقاً ومتذبذباً، كما تعرضت تركيا لمختلف أنواع الضغوط من قبل الأطراف المتحاربة لغرض جرها فعلياً إلى الحرب، تراوحت ما بين الإغراء والترغيب والترهيب والتهديد، بل وصل الأمر إلى درجة إثارة الفتن في علاقاتها بأطراف النزاع.

تعرضت سياسة الحياد التركية لاختبار شديد من مختلف الأطراف في الأيام القليلة التي سبقت الهجوم الألماني على الاتحاد السوفييتي، وهو ما دفع تركيا للتوسط فعلياً لتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف المتنازعة لغرض إنهاء الحرب، وهو ما رفضته ألمانيا مزهوة بانتصاراتها العسكرية الكاسحة المتتالية، وما رفضته بريطانيا رغبةً منها في قضاء إحدى القوتين على الأخرى (القوة النازية الألمانية، والقوة الشيوعية السوفييتية) في معركة بقاء، وهو ما تحقق بالفعل، حيث يشير الخبراء العسكريون إلى ان مغامرة هتلر في الهجوم على الجبهة السوفييتية كانت السبب المباشر في هزيمة ألمانيا في الحرب.

ومع اقتراب عجلة الحرب من الأراضي التركية قامت الحكومة بمجموعة من الإجراءات الاحترازية التي أثرت بشكل كبير على مسيرة الإنجازات التي حققتها تركيا في الفترة الكمالية، مثل إيقاف العمل بالخطة الخمسية التي أقرت عام 1938، وعودة ضريبة العشور الملغاة عام 1925، وإلغاء بعض بنود قانون العمل لعام 1936، وإلغاء قانون تشجيع الصناعة لعام 1927، وانخفاض إنتاجية القطاع الزراعي إلى نصف ما كان عليه قبل الحرب.

غير أن قطاع الصناعة، وبخاصة صناعة الكروم، شهد تطوراً كبيراً مستفيداً من تدفق السلع والمعدات الرأسمالية اللازمة لعمل القطاع، كذلك تدفق القروض الصناعية من الفرقاء المتحاربين.

ومع نهاية عام 1949 وإخفاق القوات الألمانية في الانتهاء من الجبهة السوفييتية، ودخول الولايات المتحدة الأميركية الحرب إلى جانب الحلفاء، حدث التحول الكبير في الموقف التركي بسبب تأثر السياسة الخارجية التركية بنتائج المعارك، وتطورات الأحداث الدوليةـ وفعالية النشاط الدبلوماسي لكل من الحلفاء والمحور تجاه تركيا.

في ظل الموازنة في الموقف التركي بين الحلفاء والمحور ـ وعلى خلفية هزيمة الألمان في معارك العلمين على الأراضي المصرية عام 1942، وخسائرهم الفادحة في الحملة على الأراضي السوفييتية، وقعت تركيا تحت ضغط الحلفاء لدفعها إلى الاشتراك في الحرب. ومع استمرار مجريات الحرب لصالح الحلفاء واستمرار الهزائم الألمانية على يد السوفييت أدركت تركيا أنها أمام الفرصة الأخيرة لكي تحتل موقعاً دولياً في مرحلة ما بعد الحرب عن طريق اشتراكها في منظمة الأمم المتحدة إذا ما أعلنت خروجها عن خط الحياد.

بحث الرئيس التركي عصمت إينونو مع كبار مساعديه مسألة إعلان الحرب على المحور، وهو ما تمت الموافقة عليه من قبل المجلس الوطني وبالإجماع وذلك في 23 من مارس عام 1945 وكان ذلك قبل نهاية العمليات العسكرية بحوالي عشرة أسابيع وانتصار الحلفاء رسمياً في الحرب العالمية الثانية.

المؤلف في سطور

الدكتورة سعاد جواد باحثة وأكاديمية عراقية تعمل حالياً أستاذ بكلية الآداب جامعة بغداد. من المهتمين بالشأن التركي، ولها في هذا الشأن عدد من المؤلفات منها: التطورات الاقتصادية والسياسات الداخلية في تركيا في سنوات الأزمة الاقتصادية العالمية (1929- 1932)، السياسة الخارجية التركية بعد الحرب العالمية الثانية، تطورات واتجاهات السياسة الداخلية التركية( 1923- 1928).

الكتاب: تركيا في سنوات الحرب العالمية الثانية (1939-1945)

تأليف : د. سعاد حسن جواد

الناشر: دار دجلةعمان 2009

الصفحات: 325 صفحة

القطع : الكبير

محمد جمعة