مع فوز الروائية الألمانية رومانية المولد هيرتا مولر بجائزة نوبل للأدب، أخيراً، سلطت الأضواء بقوة مع أكثر الحوارات التي أجريت معها شهرة وعمقاً وتعبيراً عن عالمها الإبداعي والنفسي، وهو الحوار الذي أجراه معها راديو الحرية.

حيث أشارت إلى أن الكتابة عن رومانيا هي بمثابة القاسم المشترك بين كل ما كتبته، وأعربت عن اعتقادها بأنه لا سبيل إلى صهر الثقافات القديمة لتصبح ثقافة جديدة، ونوهت بأن ألمانيا تعترف اليوم بأن جانباً مهماً من أدبها جاء من رومانيا ومن الشرق عموماً، وشددت على أنه لا سبيل إلى إصلاح الاشتراكية، وأنها عندما يتم إصلاحها فإنها تكف عن أن تكون اشتراكية، وفيما يلي نص الحوار:

رواياتك جميعها بينها قاسم مشترك، حيث إنها جميعها تدور أحداثها في رومانيا. وهذا لغز أو تفصيل رصدته أيضاً الصحافة الألمانية. فهل لديك تفسير لهذا الانقسام بين عالمين؟

لا، فهذا يبدو أمراً طبيعياً للغاية بالنسبة لي. لقد ولدت في رومانيا، ونشأت هناك، وعشت على أرضها حتى بلغت الثانية والثلاثين من عمري، وغادرت رومانيا في حالة ذهنية معقدة للغاية، وألفت كتابي الأول في رومانيا.

وكان هذا الكتاب الأول هو «الأراضي الخفيضة» الذي يدور حول رؤية طفلة لإقليم بانات الواقع في غربي رومانيا والناطق بالألمانية. وفي ذلك الكتاب، وفي كتب أخرى، كان الموضوع المحوري هو الدكتاتورية، فأنا لم أعرف شيئاً آخر، ولم أر شيئاً آخر، وقد واصلت المضي قدماً بهذا الموضوع، وأنا أعتقد أن هناك نوعاً من الأدب على امتداد العالم، أدب سير حياة معينة، يمضي موازياً للأحداث المتطرفة، موازياً لأوقات حياة المؤلفين.

وعلى سبيل المثال فإن «الجولاج» في الخمسينات كان موجوداً في أوروبا الشرقية في أشكال معينة، منها على سبيل المثال معسكرات العمل، ولدينا عهد الاشتراكية ـ القومية، عهد هتلر، وإلحاق الدمار بالأقليات، وهو موضوع وصفه الكثير من المؤلفين بالتوازي مع سير حياتهم، وأنا أعتقد أن هذه النوعية من الأدب موجودة في كل مكان، من كوبا إلى الصين.

هكذا فإن الموضوع الجغرافي ليس هو الأكثر أهمية بالنسبة للقارئ؟

لا. لست أعتقد أن المشهد الجغرافي هو المهم. ذلك المشهد أو البيئة ضروري، فليس لدى مشهد آخر غير ذلك المشهد الذي أعرفه، المشهد الذي جئت منه، وشخصياتي الأدبية عكست ما يحدث للإنسان في المجتمع أو النظام التوتيتالي. وأعتقد أن هذا ليس موضوعاً قمت باختياره، وإنما هو بالأحرى موضوع اختارته لي حياتي، وليست لدي حرية الاختيار هذه. وليس بمقدوري القول: «إنني أريد الكتابة عن هذا الشيء، أو عن ذلك الشيء» فأنا مضطرة للكتابة عما يثير اهتمامي وعن الأمور التي لا تدعني في سلام.

نشرت مقالاً في مجلة «يرشبيغل» عن سلوبودان ميلوسيفيتش وصربيا.لم يكن مقالاً حقاً، فقد سئلت ضمن كثيرين عما أعتقده بشأن حرب كوسوفو. وكنت قد تحدثت عن ذلك في السابق، وعن السنوات الخوالي في البوسنة وكرواتيا، بل إنني كنت آنذاك أحبذ التدخل العسكري الغربي.

حيث كنت أعتقد وقتها أن ميلوسيفيتش لن يتراجع، وانه يتعين إجباره من قبل قوة خارجية على التخلي عن منصبه. وهذا هو ما أعتقده فيما يتعلق بكوسوفو، فأنا أحس بالغضب العارم حيال الحقيقة القائلة إن هذا الشخص أتيحت له الفرصة لشن حرب ثالثة أو حرب رابعة إذا أخذنا سلوفينيا في الاعتبار، شخص يترك مقابر جديدة وراءه حيثما ذهب.

دعينا ننطلق إلى إقليم بانات، الذي ولدت فيه. لقد كان مكاناً شديد التنوع من حيث الأعراق، حيث كان يضم جماعات ألمانية، صربية، روسية، ومجرية. لقد كان بمثابة كيان موزاييكي خالٍ من الصراع العرقي إذا تذكرت على نحو صحيح.

أعتقد أنه كان هناك صراع في إقليم بانات، ولكن على مستوى «عادي» إذا صح التعبير، ولكن هناك صراعاً بين كل أنواع الناس في كل مجتمع ونحن جميعاً بحاجة إلى صراع في أعماقنا، مع جيراننا، مع زملائنا، مع أنفسنا وهذا أمر أعتقد أنه عادي. وأعتقد أن الأقليات القومية المذكورة لم تعش مع الرومانيين، وإنما عاشت في المكان نفسه معهم فحسب، وهذا يعيدني إلى نظرية تعدد الثقافات التي كانت رائجة للغاية في ألمانيا قبل عقد من الزمان، وربما لا تزال رائجة حتى اليوم. وهي تزعم أننا جميعاً ينبغي أن ننصهر إلى كيان واحد، وأن نصبح واحداً، وهذا أمر لا يكلل بالنجاح.

لقد قدمت إلى ألمانيا من رومانيا شاوشيسكو، حيث كانت كلمة المرور هي «التجانس».

بالضبط، وكنت أعرف ما الذي يمكن لذلك أن يعنيه. وهكذا كانت فكرتي هي أن الطريقة الطبيعية للانطلاق هي أن تحيا كل جماعة في سلام إلى جوار الجماعات الأخرى. وليس هناك من سبيل إلى صهر كل الثقافات القديمة في ثقافة واحدة جديدة، فهذا لن يكلل بالنجاح.

وفي تيميشوار، المدينة الرئيسية في إقليم بانات، يمكن للمرء أن يسمع في الشارع كل أنواع اللغات، الرومانية، الألمانية، المجرية، الصربية والرومانية، ذلك هو ما كان قائماً وما ينبغي أن يحدث. وما من أحد ينبغي أن يخفي ثقافته. وعندما كنت أتحدث على سبيل المثال باللغة الرومانية في القطار، فإن الجميع كان يعرف أنني ألمانية أو مجرية بسبب لكنتي. وفي ذلك الوقت لم أكن أرتكب أخطأ في النحو، أما الآن فإنني أقع في أخطاء أكثر بفعل الافتقار إلى الممارسة.

كانت هناك جماعتان أدبيتان ألمانيتان في رومانيا، الجماعة التي تنتمين إليها في تيميشوارا وجماعة أخرى في كلوج. وكانت أقل اتساماً بالطابع السياسي. أليس كذلك؟

نعم، كان الأمر كذلك، وكان ذلك هو الفارق، وفي ذلك الوقت كان مثل هذا الفارق يعني الكثير. وبالنسبة لنا في تيميشوارا كان ما يفعلونه في كيلوج غير كاف، فقد شعرنا بأننا ينبغي أن نكون سياسيين على نحو مباشر، وأنهم لم يكونوا كذلك، فقد كانوا حريصين على صياغة لغتهم بحيث لا تجد الشرطة السرية أو «سكيوريتات» مأخذاً عليهم.

ولكننا كنا أيضاَ في موقف مختلف، فنحن في تيميشوارا كنا تحت طائلة البطالة، حيث طردونا من أعمالنا، وكانوا قد طردوني من شركة «تيهنوميتال»، وهي شركة متخصصة في صناعة الأدوات والماكينات. وكنت قد عملت مترجمة للاصطلاحات الفنية التي تدور حول المحاريث والأسلاك، حيث كانوا يستوردون المحاريث من ألمانيا الشرقية والنمسا بل وفي بعض الأحيان من ألمانيا الغربية، وكان يفترض أن أترجم كتيب مستخدم المحراث.

ولم أتفهم قط هذه الأمور بصورة حقيقية، حيث كان لديًّ قاموس ضخم يعطي حوالي عشرين خياراً لترجمة الكلمة الواحدة، ولكنني اعتدت سؤال العمال في المصنع، وكانوا يتحدثون الألمانية والرومانية والأمر الأكثر أهمية أنهم كانوا علي معرفة وثيقة بالآلات. وقد أمضيت ثلاث سنوات في المصنع، اثنتين منها في قسم الترجمة وسنة في قسم مختلف، هو قسم العلاقات العامة، إذا شئت تسميته بذلك.

و كان الكتّاب الشبان في مجموعة تيميشوارا معادين للشيوعية لكنهم كانوا يساريين كذلك. ما الذي بقي من هذا التوجه الآن؟

نعم، كنا يساريين، وهذا هو ما فاقم غضب الشيوعيين، فلو أننا كنا يمينيين لكان من السهل عليهم دفعنا بأننا فاشيون، ولكن وجهة نظرنا كانت أن نوعية الاشتراكية التي كانت قائمة آنذاك في رومانيا لم تكن يسارية على الإطلاق، وإنما كانت شيئاً مختلفاً تماماً.

المؤلفة في سطور

ولدت الروائية الألمانية رومانية المولد في بلدة نيتزدورف في إقليم بانات بغربي رومانيا في 7 أغسطس عام 1953 لعائلة تنتمي إلى الأقلية الناطقة باللغة الألمانية، ودرست الأدبين الألماني والروماني خلال السنوات من 1973 إلى 1976 في جامعة تيميشوارا، وعملت مترجمة في مصنع للآلات من عام 1977 إلى 1979.

وفصلت من عملها في إطار تعرضها للاضطهاد من جانب الشرطة السرية لنظام شاوشيسكو، وأصدرت مجموعة قصصها الأولى عام 1982، وتوالت أعمالها الروائية التي ترجمت إلى العديد من اللغات وأبرزها «جواز سفر» و«أرض الخوخ الأخضر» و«السفر على ساق واحدة» و«الموعد»، وهاجرت إلى ألمانيا عام 1987، حيث نالت جوائز عدة توجت أخيراً بنيلها جائزة نوبل للأدب.

منى مدكور