شهدت الفنون التشكيلية، بضروبها المختلفة، وعبر عصورها العديدة، تحولات وإضافات كثيرة، وخاصة على صعيد خاماتها وموادها، لكن هذه التحولات والإضافات لم تطال بنيتها الرئيسة، ولا شكلت نشازاً أو غيّرت من مهامها ووظائفها، إن على صعيد الشكل أو المضمون، بل في غالب الأحيان، أغنتها وطورتها.

المتابع لمسيرة حركة الفن التشكيلي المعاصر، داخل بلداننا العربيّة وخارجها، لا بد أن تذهله الخروقات التي طاولت وسائل تعبير الفنون التشكيلية إلى درجة يوقن معها أن المقولة الفكهة التي يرددها العامة، كلما شاهدوا أو سمعوا، عن موجات الفن التشكيلي الخارجة عن المألوف، والمتسمة بنوع من الصرعة الغريبة وغير المقنعة.. والقائلة ان (الفنون جنون) صحيحة وهذا ما ينسحب على أشكال وهيئات بعض الفنانين الذين يحاولون التدليل على مهنتهم عبر هيئاتهم وممارساتهم أو سلوكهم اليومي مع الآخرين، والذي يحمل شيئاً من الريبة تصل إلى حد الاستخفاف.لقد غادر عدد من الفنانين التشكيليين وسائل تعبيرهم التقليدية إلى وسائل جديدة، تبدو للوهلة الأولى هجينة أو مستهجنة لعدم معقوليتها أو حتى تناقضها مع المهمة التي وجد الفن التشكيلي من أجلها في الأساس، وهي خلق الجمال والترتيب والأناقة وراحة العين والروح والعقل، وترطيب الإحساس، وإطلاق الخيال في عوالم ساحرة، منعشة، تزيل حصارات روح الإنسان وتعبه، وتجدد شهيته على الحياة وحب الحياة.

في الآونة الأخيرة، وصل الفن إلى رؤوس البشر، حيث يقوم الفنان بالرسم والزخرفة عليها، بوساطة الشعر، وكل هذا يتم تحت يافطة كبيرة هي الابتكار والتجديد والخروج عن المألوف وتطوير وسائل التعبير الفني، وهذا كما يبدو غيض من فيض، لكن ما نخشاه أن تتلبس بعد ذلك، مقولة «الفنون جنون» فنوننا المعاصرة والعاملين في حقولها، فتصبح لصيقة بها وبهم!.

فن التلصيق (الكولاج)

مع التطور الكبير والمتلاحق للتكنولوجيا والتقانات المختلفة والجديدة، لم يعد الفنان التشكيلي يكتفي بالوسائل التعبيريّة التقليديّة، فقام بالبحث عن مواد وخامات ووسائل حديثة قادرة على إغناء سطح عمله الفني تشكيلياً وتعبيرياً. فقد أضاف الفنان التشكيلي المعاصر إلى وسائل تعبيره مواد وخامات لم تك معروفة في السابق منها: الورق، والخشب، والحديد، والزجاج، والبلاستيك، والصور الضوئية، وتوالف الصناعة..

وغيرها، وذلك بتلصيقها فوق سطح عمله الفني مفردة، أو مع المساحات اللونية والخطوط المنفذة بالفرشاة والأقلام، وهذه العملية أطلق عليها اصطلاح (الكولاج) وهو لفظ فرنسي يعني باللغة العربية (التلصيق) الذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر، حيث طاول الفن التشكيلي العالمي، جملة من التحولات، تناولت تقاناته وأساليبه ومواضيعه على حدٍ سواء.

من غايات وأهداف فن التلصيق، إلى جانب إغناء بنيّة العمل الفني بالتعبير، الإيحاء بالبعد الثالث، وتأكيد المنظور، والتمرد على الأشكال الكلاسيكيّة، ما جعل العمل الفني الجديد يبدو وكأنه نافذة تطل على عالم مرئي، أراد الفنان المعاصر تأكيده ومده من خلال فن التلصيق الذي كان (بابلو بيكاسو) و(جورج براك) في طليعة من اشتغل عليه، خاصة في مرحلة تأسيسهما للاتجاه التكعيبي الذي كان الحاضن الأول لفن التلصيق.

يأتي التكعيبيون والدادائيون والمستقبليون في طليعة الفنانين الذين اهتموا بفن التلصيق، واستخدموه بكثرة في أعمالهم الفنيّة، ومن أشهر أعمال التلصيق، لوحة (طبيعة صامتة) للفنان الإسباني (بابلو بيكاسو) ومحموعة لوحات للفنان (فرانسيس بيكابيا) ولوحة ( ورق تلصيق منظم) للفنان الألماني (جان هانس آرب) ولوحة (ناتلين في المنزل) للألماني (راؤل هاوسمان) ولوحة (القبعة تصنع الرجل) للألماني (ماكس إرنست) ولوحة (الإبحار السماوي) للأمريكي (جوزيف كورنيل) ولوحة (بلا عنوان) للفرنسي (سيزار).

بعد فن التلصيق، تتالت الخروقات التقانيّة لوسائل التعبير في الفن التشكيلي، فتماهى النحت بالرسم، والحفر المطبوع بالصورة الضوئية وتداعياتها الكثيرة، كالسينما، والتلفاز، والحاسوب.. وغيره.

فن الطليعة وما بعدها

لقد سبق للفن الغربي الحديث وقدم تجارب ومحاولات، انضوت ضمن الإطار العام لمفهوم إعادة تدوير النفايات في الفن، أخذت مسميات عديدة منها: فن الحداثة وما بعدها، وفن الطليعة وما بعدها، والفن المفاهيمي، والمركب... الخ.

يعتبر الفنان (دو شامب) الأب الروحي لمثل هذه التوجهات الفنيّة، حيث حاول تحويل الأدوات العاديّة المستعملة في مرافق الحياة اليوميّة المختلفة إلى أعمال فنيّة، إذ كان يكتفي بوضع توقيعه على السلعة المسبقة الصنع والتالفة، لتتحول فوراً إلى عمل فني، معتقداً أن للفنان المعاصر كل الحق، بأن يستخدم ما يشاء، في تحقيق منجزه البصري الجديد، ومهما كان هذا العمل، فإن مجرد دخوله أروقة المتاحف وصالات العرض، يتحول إلى عمل فني حقيقي.

وهذا ما ذهب إليه شاعر الدادا (تزارا) عندما أعلن: لقد حولنا من خلال الدادا (وهو اتجاه فني معروف انطلق من أوروبا) ليس تدمير الفن والأدب فقط، وإنما بالدرجة الأولى، خفض المستوى المثالي، فنحن نريد إذلال الفن والشعر، لأن الدادا هي ضد الفن والأدب، وتدمير الفن وتعكير صفائه، والحط من مثاليته، إنما هو نضال ضد الجمال والإتقان والأخلاق والروح، فنحن نريد إعادة الاعتبار للقباحة والبشاعة والقرف!.

بعد الدادا ودو شامب، مارس هذا النوع من الفن، عدد كبير من الفنانين، من بينهم الفنان الألماني (أودبنورغ) الذي أنجز عملاً فنياً من «المبولة» أيضاً، والفنان (بويس) الذي كان يقيم معارض دون أعمال فنيّة، والفنان (آرمان) الذي قام بوضع محتويات علبة الزبالة ومخلفات (التواليت) كالمحارم الملطخة بدم العادة الشهرية عند المرأة.

وبقايا القطن المستخدم في تنظيف الآذان، وفراشي الأسنان، في قالب من البلاستيك الشفاف، وعرضه في متحف الفن الحديث بباريس، ليتحول إلى عمل فني مدهش، ومنهم أيضاً الفنان (هو أن لونغ) الذي قام بعرض مجموعة من الأفاعي والجرادين الحيّة، في قفص زجاجي، في نفس المتحف.

بقايا ونفايات

قام بعض الفنانين المعاصرين جداً بعرض الأحذية العتيقة، وشاخصات الطرق المحطمة، وعلب الكرتون المهشمة، والحبال المتدلية من الأسقف، تحمل تارة حجارة، وتارة أخرى بقايا من لعب أطفال، أو أشياء أخرى من النفايات التي لا يمكن أن يستوعبها الإنسان العادي، ويعتبرها أعمالاً فنيّة، وهو الذي تربى ونشأ على ذائقة جمالية مختلفة تماماً، وعلى وسائل تعبير أخرى لا علاقة لها بما يشاهد!.

لوحات فارغة

قام الفنان (دونواييه) بعرض 24 لوحة فارغة من أي شكل أو لون قائلاً: ليس لي أي هدف من ذلك سوى أن تكون اللوحة الفارغة معلقة هنا على الحائط، فأنا أعرض نيتي في تكوين هذا السطح فقط، لأن اللوحة تأتي من لا شيء، وإذا أتت من شيء ما، فهي لن تكون لوحة!

د. محمود شاهين