بابلو نيرودا، غابرييلا ماسترال، سلفادور الليندي، أوغوستو بينوشيه، فيكتور هارا، الديكتاتورية، الانقلاب العسكري، الديمقراطية، الأدب، الموسيقى، الرقص،مفردات وأسماء تحيل متلقيها دوما إلى أميركا الجنوبية عموما وإلى تشيلي على وجه الخصوص وتلح عليه بالسؤال عن مدى عظمة أرض وشعب يكتنزان كل هذا الموزاييك الثقافي السياسي في أرض ظلت حبلى بكل ما هو جميل وإنساني على مر عقود وطال مخاضها إلى أن ظهر المولود المنتظر بعد أن تخلص التشيليون من قرقعة المجنزرات في شوارع سانتياغو وبقية مدنهم وقراهم وبعد أن تمكنوا من اسكات كاتم الصوت وتعطيل آلة التعذيب مفسحين في المجال أمام عودة الإنسان إلى حالة فطرية أصيلة، إنسان يعشق بعفوية الفن والحب والحياة.
لم تغب تلك المفردات ودلالاتها عن المشهد التشيلي في أي لحظة لا بل إنها شكلته بامتياز وكان لكل مفردة وقعها على صيرورة مسير مجتمع محب للحياة، للكلمة، للرقصة، للموسيقى، مفردات تغلغت في وجدان أفراد مجتمع حتى باتت تشكل ضميره الجمعي ومصدرا للشعور بالفخر والاعتزاز، شعور يعبر عنه بصورة تلقائية في كافة مناحي الحياة بدءا من البنى الفوقية للمجتمع وفي مقدمها رأس الدولة حتى كلمات الأغاني وحركات الراقصين وإيقاعات الموسيقيين ونغماتهم. فرقة «بافوتشي، باليه الفولكلور التشيلية»، التي زارت دبي، مؤخرا، وقدمت عددا من حفلاتها الموسيقية الراقصة هناك، هي تجسيد حي لذلك الوصف الذي يبدو مبالغا فيه إلى حد ما لكنه ضروري ولا غنى عنه ساعة محاولة سبر أغوار ظاهرة شعبية الموسيقى في بلدان أميركا اللاتينية .
ومن بينها تشيلي طبعا،فهذه الفرقة، التي تأسست في سانتياغو منذ 22 عاما خلت على يد مديرها ومؤسسها بيدرو غاهاردو اسكوبار، تقوم على مقترح موسيقي مزدوج يجمع بين الرقص والموسيقى بينما يقسم الرقص إلى قسمين، الرقص الفولكلوري السائد في المجتمع التشيلي والرقص الذي ينطوي على تقنيات عالمية، أي أن الفرقة عندما تعرض للفولكلور التشيلي فإنها تعرض في الوقت نفسه لتقنيات كلاسيكية وحديثة تجعل ذلك الفولكلور لغة مفهومة لدى أي كان في العالم.
جولي كابريرا سانهوازا، المديرة الأكاديمية للفرقة وإحدى راقصاتها والتي التقينها على هامش احدى الحفلات الموسيقة، التي أحيتها بافوتشي في مدينة الجميرا بدبي، تعرف الفرقة على النحو التالي «الفرقة تقوم على مقترح موسيقي يجمع بين الرقص والموسيقى، حيث يقسم الرقص إلى قسمين فولكلوري وطني وكلاسيكي عالمي، ما يجعل أي شخص قادر على فهم هذا النوع من الموسيقى»، لكن جميع أعمال الفرقة تعكس مناخات تشيلي المتنوعة وتقاليد سكانها على اختلاف مناطق سكناهم، ذلك أن أعضاء الفرقة يعتقدون أن فرقتهم تمثل سائر أطياف المجتمع التشيلي وأنهم سفراء بلدهم إلى العالم، على حد تعبير سانهوازا.
بكلمات أخرى، فإن فرقة «بافوتشي» تلبس الموسيقى الفولكلورية التشيلية ثوبا أمميا وتطلقه في فضاء الكون ليعانق روح الإنسانية جمعاء، و ما يساعدها على ذلك ربما يكمن في التنوع الجغرافي والمناخي الذي تتمتع به بلاد تمتد مسافة أكثر من ستة آلاف كيلومترا على ساحل المحيط الهادئ ويعكس واقع المجتمع التشيلي الديموغرافي والجغرافي ويميط اللثام عن الأسباب الكامنة وراء كل ذلك الثراء والتنوع في مادة تراثه الفني والثقافي.
لكن بيدرو غاهاردو اسكوبار لا يحرص على عكس تلك المناخات السكانية-الجغرافية في أعمال فرقته فحسب، بل إن ذلك الحرص يمتد ليشمل ما تكتنفه تشيلي من كنوز أدبية وموسيقية ووطنية كذلك، فلقد أكدت المديرة الأكاديمية أن أعمال فرقة «بافوتشي» مستوحاة كذلك من أعمال كبار المبدعين التشيليين في المجالات كافة على غرار الشاعرين بابلو نيرودا وغابريلا ماسترال الحائزين على جائزة نوبل للآداب والموسيقار فيكتور هارا والشاعر نيكانور بارا والفنانة فيوليتا بارا، التي وضعت الأسس الأولى لتجديد الفولكلور وتطويره، وغيرهم من الشخصيات الإبداعية والوطنية.
هؤلاء المبدعون، الذين يشكلون عناوين بارزة في المشهد الثقافي والفني في تشيلي، تأخذ «بافوتشي» أعمالهم واشعارهم وتستوحي منها أعمالا فنية موسيقية راقصة تظهر مشاعرهم وما الذي يقبع خلف كلماتهم عن طريق الموسيقى والحركة.ويبرز من بين عناوين أعمال الفرقة «جنون» المستوحى من أعمال نيكانور بارا و«معك» المستوحى من أعمال بابلو نيرودا و«مشاعر» المستوحى من أعمال فيوليتا بارا و«ترفيه» المستوحى من أعمال غابرييلا ماسترال و«فيكتور» المستوحى من أعمال فيكتور هارا.
وإذا ألقينا نظرة سريعة على أعمال الباليه التي أنجزتها الفرقة حتى الآن ، نجد أن العمل الأول يحمل عنوان (هواسوس)، وتعني السياط، الذي يتناول المظهر التقليدي للرجل التشيلي بزيه وزينته الكاملة، وهو متأثر بالأصول الاسبانية لسكان تشيلي ويظهر فيه الرجل وهو يعمل في الريف ممتطياً جواده، بينما تظهر المرأة فيه مرتدية نوعين من الثياب الأنيقة أحدهما يدعى ثوب «الفلاحة»، في حين تتحدث الموسيقى والكلمات عن المناظر الطبيعية الخلابة ومشاعر الشعب التشيلي.
الـ «تشيلو» هو اسم العمل الثاني القادم من جنوب تشيلي، حيث يعمل الناس بصيد السمك وهناك البرد قارص لذلك غالباً ما يستخدم الصوف في حياكة الملابس التقليدية ويحكي قصة شعبية اسطورية من مملكة الحيوان بطلاها ديك رومي وديكة رومية.
العمل الثالث قادم من الشمال واسمه»الجذور«، وهو عبارة عن طقس شعائري يظهر فيه راقصان يعلو رأسيهما قبعة تحمل ريشا طويلا ويحمل كل منهما آلة موسيقية تدعى «زانبانيو» ويتجهان إلى نبعي ماء ويقدم كل منهما آلته إلى الآلهة ليعودا في اليوم التالي ويجدان أن الآلهة قامت «بدوزنتهما»، ويختتم هذا العمل برقصة تدعى «كرنفال»، التي تعني «وداع اللحم» وهي تؤدى قبل أسبوع من حلول مناسبة الجمعة العظيمة وحينها يمتنع الناس عن تناول اللحوم لمدة أربعين يوما.
وجذور هذه القصة الرومانسية راسخة في ذاكرة بيدرو وتعود إلى بداية سبعينيات القرن الماضي، فلقد كان والده صديقا شخصيا للرئيس سلفادور الليندي، الذي قتل على يد قوات الجنرال أوغوستو بينوشه التي أطاحت بحكومته المنتخبة ديمقراطيا بانقلاب عسكري دموي عام 1973،فلقد دأب الرئيس على دعوة والد بيدرو لتناول طعام الغداء الذي كان طبقه الرئيس عبارة لحم أرنب مع البصل والخل وكان والد بيدرو يصطحب معه ابنه ما أتاح للأخير اللقاء مع الليندي ونيرودا، اللذان كانت تجمعهما صداقة عظيمة، فظلت تلك الصورة الجميلة عالقة في ذهن الفنان حتى أزفت لحظة اخراجها على شكل باليه مستوحى من شخصية الليندي نفسه.
من بين ابرز أعمال الفرقة الأخرى يمكن الحديث عن عمل كرسته لعمال المناجم ويحمل اسمهم «مينيرو»، وهذا الاختيار ليس غريبا إذا علمنا أن هذه الفئة الاجتماعية عددها كبير في تشيلي وأفرادها يعانون الكثير مع أنهم يقدمون الكثير ويضحون بالكثير أيضا، لكن لا احد يوليهم الاهتمام اللازم. عمل آخر تعمل عليه الفرقة حاليا يبين مدى التصاقها بالهموم الحقيقية للناس مكرس للمهجر.
وهو لم يكتمل بعد، لكن أحدى أغانيه تحمل عنوان «حين أعود إلى بلادي» ويصاحبها رقصة لثنائي يغادران البلاد سويا، يأخذهما العسكر ويفترقان أو يجبران على الافتراق بعد أن يؤخذ كل منهما إلى جهة مغايرة. يمضي الوقت ويلتقيان من جديد حين تعود المرأة مع طفل في حضنها هو ابنه. لكن على الرغم من تجدد لقائهما، إلا أنهما لا يستطيعان مواصلة علاقتهما بحكم الواقع المستجد على ضوء ما خلفته الديكتاتورية من مشكلات اجتماعية تتعلق بفصل العائلات وشرذمتها والتفريق بين الناس.
الحديث عن الموسيقى الفولكلورية في تشيلي وأميركا اللاتينية يعني الحديث عن جماهيرية الموسيقى والرقص أو شعبية هذا الفن الذي يؤدى، في المقام الأول وبعفوية منقطعة النظير، في الشوارع والساحات والبيوت قبل أن يعتلي خشبات المسارح النخبوية، وهذا ما دفع نظام بينوشه إلى حظر تداول الموسيقى الفولكلورية والبطش بممثليها فكان مصير بعضهم القتل وآخرون السجن وآخرون المنفى ومقتل الموسيقي فيكتور هارا كان الأبرز في هذا الميدان، فلقد قتله مرتزقة الجنرال بدم بارد في ملعب لكرة القدم مع عشرات من رفاقه.
لكن جولي تعتبر هذه الحقبة السوداء قد أصبحت من الماضي وهي تقول «إن هذا النوع من الموسيقى عاد خلال السنوات الأخيرة ليأخذ موقعه الريادي بين اهتمامات الناس والمجتمع. والموسيقى الوطنية الأولى في تشيلي المعروفة باسم «لا كويكا» كانت ترقص فقط في الأعياد الوطنية مثل عيد الاستقلال في سبتمبر، لكنها باتت ترقص الآن في أي وقت وليس من قبل فنانين متخصصين فحسب وإنما من قبل الأجيال الشابة أيضا بعد أن تحولت هذه الرقصة الفولكلورية إلى ظاهرية اجتماعية منتشرة في كل مكان».
أثناء الحكم العسكري كان هناك اعتقاد سائد في أوساط ممثلي النظام الديكتاتوري بأن الأغاني الفولكلورية أو ذات الجذور الفولكلورية تبعث برسالة معينة ضد نظام بينوشيه، الذي قام بنفي مطربين وراقصين فولكلوريين كثيرين، فراحت تنحسر رقعة انتشار هذا النوع من الموسيقى ، الذي عاد للظهور بقوة بعد أن أصبح المجتمع التشيلي يتمتع بنظام ديمقراطي. وفلسفة فرقة «بافوتشي» لا تقوم على مقولة الفن للفن أو الرقص من أجل الرقص أو الغناء من أجل الغناء، فأعمالها منتقاة بعناية فائقة وتحرص على الالتزام بقضايا المجتمع والتعبير عنها ودائما لها مغزى وبعد إنساني ودائما محببة للناس وتروق لهم.
ومنشأ توجه الفرقة الفلسفي هذا يعود إلى فكر مؤسسها ومديرها، الذي لوحق من قبل النظام الديكتاتوري وتم نفيه من البلاد بسبب رفضه الرقص لجماعة الديكتاتورية، وكان يعتنق فكرا مناهضا للديكتاتورية ولم يكن تابعا لأي جهة رسمية ولا هو كذلك الآن، ففرقته مستقلة تماما وعندما قرر تشكيلها، حرص على أن تمثل البلد كله ومشاكل الناس الاجتماعية بكافة أنواعها، فضلا عن تمثيل الجانب الفولكلوري لجميع المناطق في البلاد.
الفرقة في سطور
تأسست فرقة «بافوتشي» قبل 22 عاما خلت، ومنذ ذلك الحين وهي تؤدي عروضها في كافة أرجاء تشيلي ومهرجاناتها الرئيسية، وكذلك في أوروبا والشرق الأوسط واميركا الشمالية وآسيا. الفرقة مكونة من 35 عضوا، 10 موسيقيين، 20 راقصا، فريق تقني مكون من أربعة أشخاص ومدير. يضم مقرها في سانتياغو مدرسة أو أكاديمية موسيقية تهتم بالتلاميذ الأطفال، الذي يصل عددهم أحيانا إلى أكثر من 800 تلميذا تبدأ أعمارهم من الرابعة ويتعلمون الفولكلور والموسيقى والرقص، كما أنشأت الفرقة هذا العام فرقة شبابية تتراوح أعمار أفرادها بين 14 و16 عاما ومن أهم أعمالها «لماذا لا؟»، أي لماذا لا يستطيع الشباب أداء الرقصات الفولكلورية ولماذا لا يخلط هذا الفولكلور بالموسيقى المعاصرة.
باسل أبو حمدة

