غاية في التميز الذي يخطف الأبصار ويلفت الانتباه، تلك الخطوط والألوان الصارخة التي تكون لوحة ذات مغزى تعكس هوية الكتاب، إنها فن أغلفة الكتب.
«الكتاب والغلاف وجهان لعملة واحدة»، هكذا يقول كل مصممي أغلفة الكتب، سواء تلك التي تغازل عيون الصغار، مثل كتاب عن «سندريللا»، أو «عيد ميلاد فلة» أو «الزحلف الشجاع»، أو مغامرات «عروس البحر»، جميعها تطل من وراء الواجهة الزجاجية للمكتبة، أمامها تتسع عيون الصغار، وتنتهي بهم إلى شراء مجموعة من الكتب. الأمر ذاته يحدث مع الكبار، أثناء التجوال أمام المكتبات أو في معارض الكتب، فن تصميم الغلاف يلوح لكل القراء بشراء الكتب، إنه اختزال ملون يعكس مضمون الكتاب، فهو الثقافة البصرية التي تجعلنا نقف طويلاً قبل شراء الكتب. أسئلة كثيرة تدور وتلِّح في عقل القراء حول أغلفة الكتب، علامات استفهام لابد لها من إجابة أو أكثر.
من هذه الأسئلة: هل تعتمد دور النشر المختلفة على مصمم بعينه لتصميم أغلفة الكتب التي تطرحها في الأسواق كل يوم؟ وقد تبين ان لكل دار نشر في عالمنا العربي وأيضاً في الغرب العديد من مصممي فن أغلفة الكتب، فهو فن يحاكي التشكيل في الجداريات التي نقف طويلاً أمامها لنقرأها بعمق، وهذا بالضبط ما يحدث بالنسبة لأغلفة الكتب، نلتقط الكتاب ونركز في تصميم غلافه، فهي الخطوة الأولى قبل اقتناء الكتاب. فحسب تجربة العديد من دور النشر فإن عملية تصميم غلاف الكتاب تتم عن طريق متخصصين في هذا الفن، فالعديد من هذه الدور يؤكد أصحابها على أن غلاف الكتاب يساهم بأكثر من 25% في عملية بيع الكتاب الذي يجذب القراء بالإضافة إلى أن الغلاف جيد التصميم محكم في اختزال فكرة ومحتوى الكتاب يكون ذلك حاسماً في شراء الكتاب، فالتصميم له الدور الأساسي في الترويج لمعظم الكتب، إن لم يكن جميعها.
وتعتبر الملصقات الكبيرة التي تعكس نوعية الكتب المعروضة في معارض الكتب في العالم العربي والغربي تجذب الجمهور لرؤية مضمون الكتاب قبل شرائه.
طريقة تصميم العنوان ومكانه في مساحة الغلاف والألوان المستخدمة في ذلك، هي في حد ذاتها أساس يدخل ضمن تصميم أغلفة الكتب، والغلاف الذي يعكس مضمون الكتاب يعتبر من الناحية الفنية هو الغلاف الناجح الذي يعتمد على العديد من عمليات التكنيك في هذا الفن مثل اختيار الألوان وتوظيف العنوان وتصميم الغلاف.
ومن منظور أحمد «غسان سباتو» من اتحاد الكتّاب والناشرين العرب في بريطانيا ـ من منظوره ـ فإن الكتاب كل متكامل من المحتوى الذي يعود للمؤلف سواء أكان تأليفاً أو ترجمة أو تحقيقاً، ويكتسب الكتاب أهمية مزدوجة بكونه يجذب القارئ أو العكس، وغياب التصميم الجيد والإخراج المميز لغلاف الكتاب يضعف من أهمية الكتاب.
ومن منظوره أيضاً فإن نوعية ورق الغلاف أو المادة المصنع منها الغلاف بالإضافة لتصميمه الفني تجذب الناس، مثل موسوعة «الحصان» التي طبعت مرة بورق تتداخل معه خاصة المخمل، وهي طبعة فخمة، حققت أعلى نسبة مبيعات برغم ارتفاع ثمن الكتاب، مقارنة بالموسوعة ذاتها التي طبعت بورق مقوى عادي كان الإقبال عليها أقل.
وهناك شروط أولية لابد وأن يلتزم بها مصمم الكتاب أو الفنان التشكيلي الذي يقوم بهذه المهمة التي لا تقل أهمية وفناً عن اللوحات التشكيلية، وأول هذه المبادئ أن يكون لديه الحس العالي والمتفاعل فنياً مع أهمية الكتاب الذي ينعكس على تصميم الغلاف، بالإضافة إلى استخدام التقنيات الحديثة المتاحة حالياً، والإلمام ببعض برامج التصميم والغرافيكس، «كالفتوشوب» على سبيل المثال.
أيضاً لابد للفنان المتخصص في فن أغلفة الكتب التعرف الواعي على محتوى الكتاب، فالكتاب العلمي مثلاً يختلف تصميم غلافه عن الكتاب الروائي أو التجاري أو الثقافي.
وهناك بعض النظريات الفنية التي لابد وأن يلتزم بها الفنان المصمم لغلاف الكتب، منها مثلاً استخدام الألوان الصارخة كالأحمر الناري والأصفر، وتكون الأشكال المرسومة توحي بالحركة والإبهار.
أما الكتب الروائية والأدبية، فيفضل استخدام الألوان الهادئة بالزهري مع تداخلات العاجي والسماوي، والخطوط الهادئة غير الحادة معبرة عن محتوى الرواية أو البعد الأدبي للكتاب. وللكتب العلمية تكنيك مختلف، فالغلاف يعكس رموزا وصورا تعبر عن المحتوى العلمي، وأفضل الألوان في هذا المجال الخلفية الداكنة للأزرق والرمادي وخطوط الرسومات بالأسود الصارخ الأبنوسي.
الفولكلورية
أما الكتب فلابد أن يكون غلافها لوحة فنية تحاكي الفولكلور الشعبي للكتاب ومن أشهر الفنانين في هذا المجال الفنان المصري المبدع عمر الكفراوي والفنان المصري حلمي التوني الذي تميز بنقل محتوى الكتب على الغلاف برسوماته الموحية في كل مجالات الفكر الذي يحتوي عليه الكتاب ومن أشهر رسوماته على غلاف كتاب «الاغتراب» من تأليف «ريتشارد شخاق».
ومن الناشرين البارزين الذين لهم رأي مؤثر في فن تصميم أغلفة الكتب، الأديب عبد الرحمن الأحمدي صاحب دار المفردات للنشر، في رأيه، إن الاهتمام بأغلفة الكتب ظاهرة حضارية عصرية، تناغمت مع النهضة الثقافية وتقدم الفنون، وتطور عمليات التسويق، ونمو وعي القارئ وتذوقه للفن، واتساع مجال مهنة صناعة وفن تغليف الكتب لجذب القارئ الذي يغريه الغلاف فيسارع باقتناء الكتاب.
أما القاص والروائي ناصر الجاسم، فله رؤية خاصة جداً في فن أغلفة الكتب وأهميتها، فهو يعتبر الغلاف، بما فيه من تشكيل وعنوان وأيضاً عبارة الإهداء والاستهلال في الصفحة الأولى من الكتاب، علما واسعا متشابكا له دلالاته وتأويلاته، وهو فن يرتكز على نظريات ودراسات فنية وليس مجرد شطحات فنان يلهو بريشته على واجهة كتاب.
ورؤية ناصر الجاسم تمتد إلى مدى وقع عنوان الكتاب ورنين كلماته وتأثير ذلك على الناس من رواد المكتبات ومعارض الكتب، فعنوان الكتاب جزء من فنية الغلاف وهو بمثابة الموسيقى المنبعثة من تركيبة حروف كلمات العنوان إلى أن يدفع بالإنسان لشراء الكتاب، كل هذه الاعتبارات يضعها الفنان المصمم للغلاف في ذهنه وهو يضع خطة الرسم وتوزيع اللون على مسودة خاصة، وهذه المسودات هي في حد ذاتها لوحات عشوائية، يخصص الغرب لها المعارض لأهميتها ويعتبرونا اللمحة الأولى للفنان.
وتنوعت أغلفة الكتب في عصرنا الحالي أو خلال العقود الثلاثة الماضية وحتى الآن، فالتنوع مربوط بتنوع مادة الكتاب، فقد ظهرت على الساحة حالياً كتب لم تكن منتشرة من قبل، خاصة في عالمنا العربي، ومنها كتب الطهي والتطريز والديكور.
وربما من هنا كوَّن الفنان التشكيلي «بولس سركو» المعروف بتصميم أغلفة الكتب واعتبارها فناً تشكيلياً رائعاً، فهو يؤكد على ضرورة أن يكون مصمم أغلفة الكتب دارسا ومتخصصا في هذا الفن وبالتالي لابد وأن يكون خريج كليات الفنون الجميلة من قسم الإعلان، ولابد لمصمم أغلفة الكتب أن يقرأ ويتمعن في مفهوم الكتب حتى يتمكن من تحويله إلى ملمح يعكس المضمون على الغلاف، وبالتالي فهو فن دقيق التخصص.
وعلى مستوى عالمنا العربي فهناك العديد والعديد من الفنانين الذين أثروا الحياة الفنية التشكيلية ومنها فن تصميم أغلفة الكتب، من هؤلاء أحمد اللباد على سبيل المثال، فهو يعتبر أن أغلفة الكتب مسؤولية كبيرة على عاتق الفنان، لأن الغلاف هو الوجهة الأولى التي تقع عليها عين القارئ، وهي البُعد الذي يتخذ به القارئ قرار شراء الكتاب من عدمه، وهناك أخطاء كثيرة يقع فيها مصمم أغلفة الكتب حسب رؤية الفنان أحمد اللباد، وهي تحديداً، بأن يكتفي الفنان بقراءة نبذة عن الكتاب ولا يهتم بقراءته كله حتى يكون فكرة فنية للغلاف.
وهناك ما يعرف في عالمنا العربي باسم «تاريخ فن أغلفة الكتب»، وهو مرجعية حقيقية تدرس في كليات الفنون الجميلة في القاهرة والاسكندرية ودمشق وبيروت، وهي بمثابة ذاكرة تاريخ لهذا الفن الذي يتضمن أغلفة كتب الصغار مثل مجموعة «المكتبة الخضراء» التي صدر عنها كتاب الأطفال الأكثر شهرة «الولاعة».
ومكتبة الأطفال المعروفة باسم «رياض الأطفال» مثل «أرنب والكنز» الذي يحمل أشهر غلاف لرياض الأطفال، حيث يعكس الأرنب العملاق المرسوم بألوان زاهية رائعة ومجسدة، و«عيد ميلاد فلة» مرسوم غلافها ليجسد قطة صغيرة ترتدي ملابس ملونة ومجموعة مكتبة «الكيلاني» التي تحتوي على كتابها الشهير «القداحة العجيبة» يعكس غلافه وجه رجل شرس وآخر طيب جميل الملامح.
ومن رسامي أغلفة الكتب العالميين البرتو جيا كومتي (الذي ولد في 10 أكتوبر في العام 1901 وتوفي في نوفمبر من عام 1996) وهو بجانب شهرته في مجال رسم أغلفة الكتب كان نحاتاً ورساماً تشكيلياً وهو سويسري الأصل من رواد الحركة السريالية مع بابلو بيكاسو ودماكس آرنست وجون ميرو.
ويرجع تاريخ رسم أغلفة الكتب في الغرب إلى بدايات القرن التاسع عشر، حيث كان يستخدم في الأغلفة ورقا قويا صلبا لحفظ مادة الكتاب بداخله وكان يصنع من مادة صلبة تتداخل فيها خيوط الفضة أو الجلود المطعمة بالأحجار الكريمة، وكانت صناعة أغلفة الكتب تجمع فيما بين الفن الراقي والصنعة الحرفية كالزخارف. وفي العام 1920 حدث تطور كبير في صناعة الأغلفة في العالم وخاصة في منطقة وسط أوروبا، فاستخدموا الأقمشة غالية الثمن كالكتان الطبيعي والحراير الطبيعية ومعالجتها بطريقة خاصة للرسم عليهما وتجليد الكتاب بهما، وأصبح هذا الفن، فن رسم الأغلفة، صناعة وفنا في آن واحد في الغرب.
وخصصت المتاحف والمعارض الدائمة مساحات شاسعة لعرض تاريخ فن رسم أغلفة الكتب في العالم وما زالت هذه المتاحف والمعارض موجودة حتى الآن في بون وبرلين وروما ونيويورك وباريس وروسيا، ومن أشهر رسامي أغلفة الكتب في روسيا «الكسندر رودشنكو» وتخصص في تصميم أغلفة الموسوعات التاريخية الضخمة.
والآن في الألفية الثالثة، أصبحت صناعة وفن تغليف الكتب علما يدرس ومادة أساسية في الجامعات العربية والعالمية، وقد ابتكرت اليابان أنواعاً متعددة ومختلفة من الورق الذي يستخدم في رسم أغلفة الكتب يقاوم الحريق والضوء وطارد لحشرات الورق كالعثة، وهذه النوعية من الورق باهظة الثمن ولا يستخدمها سوى كبار الرسامين والمصممين للأغلفة، بالإضافة إلى أن الصين أنتجت أنواعاً من ورق التغليف والرسم بنكهة الفواكه الاستوائية وهي مخصصة للأطفال بغرض الإقبال على اقتناء الكتب وقراءتها، وهو أيضاً مضاد لأي حساسية لدى الأطفال من أنواع الورق المختلفة.
والطريف أن الصين قامت أيضاً بتجربة فنية رائعة في مجال صناعة وفن تصميم الكتب الموجهة للأطفال والنشء بصفة خاصة، فقام الفنان «يوشي يونج» الذي تطايرت شهرته في عالم تصميم أغلفة الأطفال بتجسيد الرسومات على أغلفة الكتب، وعند الضغط عليها تحدث نغمات لموسيقى يدرسها الصغار في مدارسهم فتكون الفائدة هناك مزدوجة من فن وموسيقى ورسم وحكايات داخل الكتب.
أيضاً قام بتجربة رسم الأغلفة لكتب تعكس الحيوانات التي لابد وأن يتعرف عليها الصغار في مرحلة ما قبل المدرسة، وتتميز أغلفة هذه الكتب بأنها ـ عند الضغط عليها ـ تحدث أصواتاً مجسدة للحيوانات التي يحتويها الكتاب.
بالإضافة لذلك فهناك تجربة أخرى في اليابان تعكس أغلفة كتب مجسدة لأشهر الشخصيات الكرتونية للأطفال، وتتميز أغلفة كتب الصغار بأنها قابلة للتنظيف بالماء والصابون حتى تحتفظ بتعقيمها دائماً.
سؤال يطرح نفسه.. متى نهتم في عالمنا العربي بكل الجزئيات الصغيرة في حياتنا وحياة صغارنا؟
بالتدليل وحده، لا يحيا الصغار! ربما بالابتكار وطرح كل جديد وفتح عيونهم على عالم يهتم بكل المنمنمات.
معارض الأرصفة
أشهر معارض للكتب وأغلفتها تلك التي انفرد بها الناشر الراحل الحاج محمد مدبولي الذي بدأ حياته في مجال عالم الكتب في «كُشك» صغير به كتب مكدسة في كل المجالات، وأمام الكشك يفترش مساحة من الرصيف لوضع مجموعات هائلة من الكتب في واحد من أشهر شوارع وسط القاهرة وهو ميدان سليمان باشا أو طلعت حرب أمام جروبي.
وهو موقع مكتظ بالمارة ورواد جروبي ومحلات «لاباس» للحلويات، فكل المارة يفوتون على الحاج مدبولي الذي يعتبرونه صديقاً لهم، معه يتكلمون في كل الشؤون التي تهم الشارع المصري، وهم ينتقلون من كتاب لآخر تجذبهم أغلفته التي يقوم صبي صغير بتنظيفها يومياً. تم توسع الحاج مدبولي ليأخذ واحدة من أكبر المكتبات، ثم اقتنى دار نشر باسمه.
أجيال جديدة
الأجيال الجديدة من الفنانين في رسم أغلفة الكتب يقيمون حالياً المعارض في منطقة خان الخليلي وبيت السحيمي وقصور الثقافة في مصر وبيت المانسترلي باشا، يعرضون فيها تصميم الأغلفة لكتب حديثة لاقت رواجاً كبيراً وسط جمهور القراء، مثل كتب «الأسواني»، «عمارة يعقوبان» و«شيكاغو» وجميعها كتب جذبت الجمهور وتحولت لأفلام ومسلسلات، أيضاً كتب للكاتب خيري شلبي مثل عناقيد العنب وغيرها، وإعادة ترميم أغلفة كتب نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي، وتعمل هذه الأجيال الجديدة في ورش عمل تحت إشراف كبار الفنانين مثل حلمي التوني ومحي الدين اللباد وآدم حنين.
منى مدكور


