منذ عرف المشهد الشعري المصري عماد فؤاد وهو يعرفه بحبه الخالص للشعر سواء كان تجربة تخصه أو تجارب تخص الآخرين من أبناء جيله والأجيال السابقة عليه، سعى لخصوصية صوته وكلل مسعاه بالنجاح، وقصائده الأخيرة خير شاهد على ذلك بما تتميز به من توهج وعنفوان، ولا يزال عماد فؤاد يعمل بدأب شديد على تطور تجربته وله موقف صارم من النقد، حيث يقول كلما سمعت كلمة ناقد، تحسست مسدسي، في هذا الحوار معه نتعرف على تجربته ورؤاه لكثير من قضايا الشعر والشعراء.
ما ظروف ولادتك شاعراً؟ الطفولة كانت البداية في ظنِّي، حيث تخمَّرت الرُّؤى الأولى لانطباعات المرء عن العالم وما يحيط به من أشياء وتفاصيل، عشت طفولة ثرية، هذا ما أكتشفه الآن حين أقارن طفولة ابنيَّ الصغيرين بما اختبرته صغيراً، ثم كانت القراءة، هذه الحالة السحرية من تحويل الكلمة التي تنطق بها إلى صورة، وحين تحاول أن تعكس الأمر تكون الكتابة، أن تنجح في تحويل الصورة التي تراها إلى كلمة مكتوبة.تكوينك الثقافي وأثره على هذه الولادة الشعرية؟أنا ابن حي شعبي، والأحياء الشعبية تخلق فيك منذ صغرك جرأة على المغامرة، وحرصاً ذكياً على ألا تخسر كل طاقتك في رد فعل طائش أو انفعالي، تربَّيت في بيت لا يعرف من الكتب إلا القرآن الكريم والكتب المدرسية، لذا كان غريباً أن يجدني والدي أشتري كتباً لأعكف على قراءتها ليلاً في فراشي، كان يظن أنَّني إنَّما أستذكر دروسي بهذه الطريقة، حتى اكتشف أن هذه الكتب الصغيرة التي كانت عبارة عن روايات شبابية ما هي إلا (تسالي).
ولا علاقة لها بالدراسة في شيء، فبدأ في الانتباه لي كي لا أفشل في دراستي، هنا أعود إلى جملتي الأولى في ردي على هذا السؤال، بدأت أستفيد من جرأتي على المغامرة بتجليد كتبي التي أقرأها كي لا يرى والدي أغلفتها ويعرف ألا علاقة لها بالدراسة.
واستمر الأمر حتى انتبهت إلى قريب لي متورط فيما تورطت فيه من قراءة واطلاع على كتب أخرى ومحبَّة للشِّعر، فبدأنا نتقارب ونتبادل الكتب، كان هذا القريب هو أوَّل من نبَّهني إلى تعلم بحور الشعر، كي أتمكن من كتابته بشكل جيد، وبعد فترة من افتعال قصائد تفعيلية بدأت أكتب ما أراه شعراً، دون الاهتمام بالشكل التفعيلي، فكان ديواني الأول «أشباح جرَّحتها الإضاءة».
هل نستطيع القول إن تجربتك الشعرية اختلفت ما بين مصر وخروجك إلى أوروبا؟
مؤكد اختلفت، كما اختلفت رؤيتي للكثير من القناعات التي خرجت بها من مصر، لكن أين هو مكمن هذا الاختلاف، ما هي ملامحه، طرقه، أشكاله، هذا ما أنا في حاجة إلى من يدلني إليه!
ما المؤثرات التي انعكست على تجربتك في الخارج؟
الوحدة أبرز هذه المؤثرات، في القاهرة ثمَّة حياة مركَّبة، مزدحمة، لا تمنحك لحظة كي تفكر في هاجس عَبَر خيالك، أو في مطاردة فكرة ما أو حتى السماح لها بالاختمار في ذهنك، لا أقصد أن القاهرة مدينة طاردة للإبداع، بقدر ما أريد أن أقول، فقد لمست حالة جديدة تتشكَّل في كتابتي بعد الخروج من القاهرة، وهذه الحالة ابنة الوحدة في الأساس، ابنة هذا الاستشراف المرتبك لحياة جديدة، وثقافة أخرى لا أعرف عنها شيئاً، بدأت أنصت أكثر لداخلي، وأتلصص أكثر فأكثر على أفكاري، وتسامحت أكثر من ذي قبل مع عماد فؤاد ذاته.
تشارك في الكثير من المؤتمرات الدولية كيف ترى حال الشعر عربيا وأوروبيا؟
لا أعتقد أنه حال واحدة، على الرغم من أن ما يعانيه الشعراء جميعا هو شيء واحد، في «لاتفيا» وجدت معاناة الشاعر اللاتفي أو الروسي هي ذاتها معاناة الشاعر العربي مع دور النشر، كما في الجزائر ولبنان والقاهرة، في بلجيكا وهولندا الأمر ذاته، مع فارق بسيط جداً، اسمه الاحترام، اسمه تقدير جهدك وإبداعك.
رأي البعض أن تجربتك الأخيرة تخلَّت كثيراً عن التلقائية وجاءت صنعتها أكثر حرفية واتقاناً كيف ترى حال الشعر عربياً؟
إذا كنت تقصد مجموعتي الأخيرة «حرير»، فلا أعرف كيف أردّ على سؤالك، قراءات عديدة تناولت المجموعة والجميل أن من بينها ما هو إيجابي وما هو سلبي، وهذا ما أسعدني، أما حال الشعر عربياً فلا أعتقد أنَّه كان خيراً مما هو عليه الآن.
وماذا عن رؤيتك لجيلك العربي الذي يكتب قصيدة النثر؟
كما قلت لك، هناك قلة من الشعراء يشتغلون على مشاريعهم بدأب وهدوء، وهناك أغلبية تكتب نصوصاً إنشائية وتسميها شعراً جديداً وقصيدة نثر، ولست ضد هؤلاء في شيء، لهم كامل الحرية في كتابة ما يرونه شعرا، لكن أحتفظ بحقي كقارئ قبل أن أكون متورطاً في الشعر كي أقول رأيي الشخصي فيما يسمونه شعراً.
بحكم متابعتك للصراع الدائر بين شعراء قصيدة النثر والأجيال السابقة كجيل السبعينات والستينات، هل ترى أن هذا الصراع الذي يحمل كل طرف على آخر فيه ويسعى إلى نفيه صراعاً صحياً؟
لا أعرف أسبابا مثل هذه الصراعات أصلاً، على ماذا يتصارعون، أحياناً أشعر أن هؤلاء يتصارعون على ميراث وريادة وهميين، وأحياناً أريد أن أقول لهم: «أرجوكم انتبهوا إلى جثَّة الشِّعر تحت أقدامكم»!
ماذا عن المشهد النقدي وهل ترى له دوراً حقيقياً في متابعة الحركة الشعرية؟
نقد؟! بيني وبينك، كلما سمعت كلمة ناقد، تحسست مسدسي!
وماذا بعد مجموعتك الرابعة والأخيرة التي صدرت في بدايات 2007، هل من جديد؟
قاربت على الانتهاء من مجموعة شعرية جديدة، ولم أقرر بعد أين ستصدر، لكن انوي إصدارها مطلع العام المقبل 2010.
عماد فؤاد في سطور
شاعر مصري من مواليد 22 أكتوبر 1974، يعمل بالصحافة المصرية والعربية منذ العام 1996 وحتى الآن كصحافي حر، يقيم في بلجيكا منذ العام 2004، تُرجمت قصائده إلى العديد من اللغات، منها: الإنجليزيّة والفرنسيّة والهولنديّة والأسبانية والألمانيّة والفارسية والبولنديّة واللاتفية والبرتغالية، من مجموعاته الشعرية: «حرير»، «بكدمةٍ زرقاء من عضَّة النَّدم»، «تقاعد زير نساء عجوز»، «أشباح جرَّحتها الإضاءة»، «ديوان الكتابة الأخرى».
قام بإعداد وتقديم أول مختارات لقصيدة النَّثر المصرية تحت عنوان: «رُعاة ظلال.. حارسو عزلات أيضاً». وفي ديسمبر 2004 أنشأ أول موقع للنَّص الشِّعري المصري الجديد على شبكة الإنترنت.
محمد الحمامصي

