كلما عتق التاريخ المباني التي كانت في يوم من الأيام تتنفس أنفاس من مروا عليها، تحولت الى مرايا شفيفة تنز بمخزونها، وتسترجع جدرانها تلك الاصوات، ووجوه من أقاموا بين زواياها وأروقتها..

للفنون التشكيلية وللكتب، وفي الطابق الثاني غرف وصالة اخرى ضمت بداية المكتبة المركزية لمدينة الشارقة.. وحينما اكتمل المبنى وحان وقت افتتاحه كانت الشارقة في ذلك اليوم تحتضن اول مؤتمر تعاون عربي افريقي، وجاءت هذه المناسبة لكي يحمل هذا المبنى هذا الاسم، عنوانا لتاريخ طويل من العلاقات بين افريقيا والامارات بصفة عامة وبين افريقيا والشارقة بصفة خاصة، فتاريخ العلاقات يعود الى مئات السنين، واحياء هذا الصوت المشترك كان يحتاج الى ذكرى واثر يبقى..اطلق على ذلك المبنى تلك التسمية، « قاعة افريقيا»، وبعد سنوات طويلة جاءت المبادرة ليصبح في بلد مثل السودان قاعة تحمل اسم الشارقة.. ومنذ ولادتها ودخولها في الحياة الفكرية والثقافية لأهل الإمارات بقيت تلك القاعة وذاك المبنى عنوانا للأمل، للقاء وللبناء، فقد جاءت في مناسبة المؤتمر الذي احتضن اصواتا عربية وافريقية كانت تنادي بضرورة ربط اللحمة بين هذين المكانين في العالم.

الباحث حلمي شعراوي وهو خبير سابق في العلاقات العربية - الأفريقية بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم وأمين لجنة الدفاع عن الثقافة القومية في مصر كتب مقالا مطولا في صحيفة «الاتحاد في 20 من اكتوبر من العام 2009 حول دور التراث في حوار الثقافات وعاد الى الانطلاقة الأولى لمؤتمر اللقاء العربي الافريقي ودور قاعة افريقيا في احتضان هذا الحوار الانساني الذي ما زال يحتاج الى شد اواصره.. يقول شعراوي وهو ينادي بضرورة ان تبقى قاعة افريقيا مركزا للاشعاع الحضاري والانساني: «في الشارقة كان الحوار مختلفاً حول دور التراث في حوار الثقافات. ونال التراث الشعبي حظاً ملموساً من المناقشة، خاصة بعد أن استفاقت اليونسكو إلى هذه الزاوية في برامجها مؤخراً، وإن كان مفهوم التراث الشعبي الذي يقترن بالثقافة الشعبية وعناصرها الحياتية والفنية، يكاد يتيه في تلافيف مفهوم الثقافة غير المادية التي ستتواصل مع مفاهيم جزئية للثقافة أحياناً كثيرة، فتدفع بالمناهج إلى التفتيت الكلي في الثقافة بعد أن كان نهج اليونسكو لفترة حول الثقافات الوطنية الكلية.

والفارق واضح حين نبحث فى شعار اليونسكو الآن حول التنوع والوحدة في الثقافة العالمية. وشتان بين طريق التفتيت والتفكيك لفرض التنوع وبين متطلبات دفع الهويات الثقافية الوطنية مع احترام تنوعها.. من هنا كان حوار ثقافات الجنوب، ودور التراث الشعبي وامتداداته هنا وهنالك باباً جديراً بالاهتمام... من هنا كانت ذكرياتنا مع قاعة الشارقة الكبرى المسماة قاعة أفريقيا منذ 1976حتى الآن. وقد كان لي شرف المشاركة في أولى ندوات العلاقات العربية- الأفريقية في شتاء 1976، كأولى محاولات دفع دور المثقفين في العمل العربي الأفريقي المشترك الذي شهد بعض انطلاقاته الجديدة عقب حرب 1973.

وفي الشارقة انطلق الحوار في تلك الندوة ،جديداً بالفعل، بل وحاداً أحياناً رغبة من المثقفين الأفارقة والعرب على السواء أن يكاشف بعضهم بعضاً، حول أكثر القضايا حساسية، من تجارة الرق، إلى تجارة البترول، ومن التبعية الفرانكفونية أوالأنجلوفونية، إلى عرض الرؤية أو ترددها حول الصهيونية.

وفى هذه الأجواء وعد صاحب السمو حاكم الشارقة بتسمية كبرى قاعات الإمارة باسم أفريقيا. وكان الأمل أن يمتد الحوار ويتنوع في إطار هذه «القاعة ـ الفكرة» على مدى ثلاثين عاماً حتى الآن.

ويضيف شعراوي في مقالته أيضاً: «إن قاعة أفريقيا بالشارقة، يمكن بالفعل أن تكون مركز إشعاع متجددا في مجال حوار الثقافات الأفريقية مع الثقافة العربية، كزاوية ينفرد بها هذا الموقع أكثر من غيره. وإذا كان الخليج قد بات مزدحماً بأشكال العمل الثقافي ومشروعاته أو جوائزه ومنتدياته، فإن وجود قاعة باسم أفريقيا ذات تاريخ في هذا المجال منذ تدافع اللقاء العربي، الأفريقي لفترة، يمكن أن يدعم بقوة حوارات جنوب، جنوب الثقافية منطلقة من قاعة أفريقيا بالشارقة. من الممكن أن تنطلق من هنا برامج الترجمة والندوات المتخصصة، وجمع ودراسة ألوان التراث الشعبي».

ومن قراءة الباحث حلمي شعراوي في مقابل تبادل الثقافات والاتكاء على الموروث ودور قاعة افريقيا الى ذكريات التشكيلية د. نجاة مكي التي تعترف بأن قاعة افريقيا فتحت ابوابها لها في أهم محطاتها الفنية في البدايات، فقد كانت خطوات المبدع الأولى باتجاه قاعة افريقيا هي الفاصلة بينه وبين بداية الانطلاق، فدائرة الضوء كبيرة في تلك القاعة التي كانت تقوم بدور مركز الانطلاق امام اعين النقاد والراصدين، فقد شكلت قاعة افريقيا بالنسبة لمتذوقي الفنون وجهة رئيسية ليس فقط بالنسبة للقاطنين في امارة الشارقة، بل على اتساع المدن والقرى في البلاد..

تتذكر د. نجاة مشيرة الى احتضان القاعة لاول مشاركة حقيقية لها في معرض ضم فنانات خليجيات سلطت عليه وسائل الاعلام الضوء وكان مناسبة ان تجد لوحاتها مكانا من بين لوحات تمثل بانوراما للتشكيل النسائي الخليجي، كما تتذكر قبله المعرض الذي جمعها بمجموعة محلية من الفنانين التشكيليين، وتقول: قاعة افريقيا معلم حضاري في الشارقة، اسست لبدايات قوية في الفعل الثقافي وقدمت هذه القاعة خدمات جليلة للساحة التشكيلية المحلية والمعارض المستضافة، فكان لها دور في استقبال المعارض الفردية والعامة، واعمال الفنانين العرب والاجانب المقيمين والمستضافين.

وكانت ليست مجرد قاعة عرض، بل ومكانا لورش فنية لا تهدأ..انه مكان لم يمكن نسيانه، حتى الى وقت قريب مازالت القاعة تدعم النشاط الابداعي برغم بساطتها كمكان. وكما هو اعتراف التشكيلية نجاة مكي، يجد المسرحي احمد الجسمي نفسه تلميذا صغيرا في فضاء هذه القاعة التي تعود به إلى مرحلة التأسيس وقصص فريدة ونادرة عنها..حيث يعترف: «كنت اتسلل الى تدريبات المخرج العراقي ابراهيم جلال، واجلس مبهورا بالمكان وفي ما يجري من حولي، رهبة كبيرة لذلك المكان، ما زالت تتلمكني الى اليوم، فحينما ادخل الى هذا المكان اليوم.

وبعد مرور سنوات طويلة، ما زلت اشعر انه مكان التأسيس والاعمال المسرحية العظيمة، الامسيات الشعرية لشعراء ليسوا عاديين.. في سنة من السنوات اقمنا نحن مسرح الشارقة فيها امسية تأبين للشاعر راشد الخضر، ويومها اتذكر ان الشاعر عارف الخاجة القى قصيدة جميلة جداما زلت مأسورا بها.

وكذلك فعل الشاعر الشعبي ربيع بن ياقوت.. قاعة افريقيا شهدت لنا أيضاً مسرحية «البوم» وهي من اعمال البدايات، وكذلك الورشة المسرحية الرسمية الأولى التي تبنتها وزارة الاعلام والثقافة آنذاك، حيث انقسم المسرحيون المتدربون الى قسمين، قسم قاده صقر الرشود والاخر قادة الشاعر الراحل سلطان الشاعر. قاعة افريقيا بالنسبة لي مركز ثقافي اسهم في ارساء الفعل الثقافي في الساحة.

وكانت قبلة كل المبدعين من ابناء الامارات والمقيمين، اليوم ما زلت حينما ادخل اليها اشعر وكأنني في اكاديميتي القديمة، قصر الثقافة مركز ثقافي راق، المركز الثقافي الوطني في ابوظبي معلم من معالم الامارات، اشعر بهذا، ولكن كلما قادتني قدماي الى بهو قاعة افريقيا راودتني تلك الإبداعات القديمة.

التأسيس والتسمية

دشنت قاعة افريقيا في العام 1976 مع انطلاقة مؤتمر العلاقات العربية الافريقية، وسميت بهذا الاسم دلالة على أهمية حوار المؤتمر لاحياء العلاقة الانسانية الضاربة في جذور التاريخ بين المنطقة وافريقيا. وشهدت قاعة افريقيا انطلاق المهرجان الوطني الاول للفنون وكان بؤرة تشكل معارض التشكيل والكتب ومهرجان العروض المسرحية، الذي اطلق عليه ايام الشارقة المسرحية.

مرعي الحليان