ليس ضعفاً إنسانياً أن تمتلئ العيون بالدموع أو يستعصي الدمع فينحبس في مقلتيها، وإنما هو بعد إنساني لكل من يستشعر بين ضلوعه قلباً ينبض، قد تختلف الأسباب والدمع واحد.. نعم.. هو مشهد يتكرر يومياً على أعتاب مداخل المطارات وصالات الترانزيت حول العالم.
وراء كل دمعة حكاية تحكى.. حكاية أمل في الشفاء من مرض عضال، يطير المريض وراءه على متن الطائرات، حكاية حلم طالما داعب الخيال والطموحات معاً، حكاية البدايات الواعدة، ربما، ولكن ما هو أكبر بالفعل، هو رحلة السفر ذاتها.قسمات الوجوه تعبر عن واقع المسافرين والمودعين والمستقبلين، بين الفرح والاشتياق والخوف من الغد المتشابك بكل المشاعر، والانشغال على أعز الناس الذين تركناهم ورحلنا على متن طائرات تشق الفضاء، خليط من الحلم والواقع والأمل وربما الهروب جميعها تعمل بداخل كل من له مقعد داخل طائرة.شباب في وجوههم الاندفاع نحو غد كان حلماً لهم، على ظهورهم حقيبة «هاندباج» «فيري كوول» امتلأت بالأمتعة والأمل، وباليد الأخرى «ماج» من البلاستيك المقوى يحمل اسما لأشهر «مقاهي العالم» ممتلئ بالقهوة المعروفة والمتداولة بين الشباب باسم «كافيه لانيه» بنكهات مختلفة.
وعلى الكتف الآخر «لاب توب» ينحدر من أرقى الشركات العالمية مدون فيه مستقبل هؤلاء الباحثين عن أمل خارج حدود الوطن وبعيداً عن رمز العلم والحب والانتماء.. ربما في البعيد لوحت لهم الجامعات العالمية المصنفة الأفضل والأعرق على مستوى العالم، بعد جهد سنوات تمكنوا من حجز مكان لهم فيها، وسكن بداخلها أو قريب منها، وشهادات عليا وراءها سهر واشتياق لأهل لم يكفوا يوماً عن الدعاء لأصحاب الآمال العريضة من أبنائهم بالعودة سالمين غانمين لعلهم «يخفضون لهم جناح الذل من الرحمة» للأهل الذين تصادقوا مع الوحدة والفراغ وربما الألم.آخرون انبهروا بالعمل في كبريات الشركات العالمية وأعقد أنواع التكنولوجيا وكأنهم سيفكون شفرات الكون ولكن دائماً.. في «البعد جفاء» هكذا قال حكماء الأجداد والآباء وقلوب الأمهات.
ولكن وجها آخر للمطارات يحمل فرحة البداية، مجسدة في عروس غزلت فرحتها في فستانها الأبيض وترحتها التلَّي وباقة زهور وعطر يفوح، وراءها مهنئين وفي مسامعها زغاريد ودعاء بسلامة الوصول لزوج ينتظرها في البعيد، معاً يكونان أسرة صغيرة، يعودون بها ومعهما صغار لأرض الوطن بهم يلقبون الأم والأب بالجدة والجد الذين يذوبون حباً بأحفادهم.وفرحة استقبال لمن غابوا لسنوات وقد أبرموا عهداً على أنفسهم أن يعودوا لخدمة الوطن والمجتمعات.مشهد آخر في المطار يحاول الاقتراب من العفوية، عندما يأمر المخرج «الكاست» بتصوير المشهد الأول أو الأخير في أحد المطارات فيقول «سكوت حنصور»، تدور الكاميرات والممثلون معاً تحيطهم الإضاءة فتكون المشاهد التي عشناها معهم، من أشهر الأفلام التي تم تصويرها في المطارات العربية والعالمية، فيلم «عودة مواطن» بطولة يحيى الفخراني، وميرفت أمين وشريف منير، إخراج محمد خان، ويعتبر مشهد النهاية فيه هو مشهد القمة «ماسترسين» الذي صور في مطار القاهرة في أحد المقاهي .
ويحيى الفخراني يستمع للنداء الأخير ليتوجه للبوابة رقم كذا ليلحق الطائرة العائدة به إلى إحدى الدول، ولكنه لا يتحرك من مكانه ولكن عيونه متشبثة بالبوابة وتظل النهاية مفتوحة، يعكس المشاهد حالة المعاناة في أخذ قرار العودة للوطن أو السفر بعيداً وهو أمر يتعرض له الملايين حول العالم.
من الأفلام التي تم تصويرها في مطار القاهرة الجديد الفيلم الكوميدي الهادف «التجربة الدنماركية» بطولة الزعيم عادل إمام ونيكول سابا ومجدي كامل وخالد سرحان من إخراج علي إدريس يحكي مشهد النهاية، الحب الذي ربط بين عادل إمام ونيكول سابا وهي تجلس على سلم الطائرة تنتظره، فيقول لها ودموع صادقة تلتمع في عيونه «أنا حبيتك.. بس بحب مصر أكثر».. وتدور الكاميرا ليحمله أولاده الشباب على أكتافهم ملوحين لينكول سابا تلويحة وداع وحب.
وقد تعرضت الأفلام العالمية لمشاهد متعددة صورت في المطارات من أشهرها فيلم «ترمينال» «لتوم هانكس» يعكس الفيلم قصة مسافر «توم هانكس» في مطار كنيدي يصل إليه قادماً من إحدى الدول لأوروبا الشرقية لينفذ وصية والده بأخذ توقيعات كبار الرسامين على بعض النقود القديمة التي كانت معه كإرث من والده.
ولكن تقابله بيروقراطية الشرطة داخل المطار التي تمنعه من الخروج ويظل بداخل المطار لمدة عام كامل، عقد خلالها صداقات مع كل العاملين في المطار الذين ساعدوه في النهاية لتحقيق هدفه، وعاش قصة حب جميلة مع إحدى المضيفات التي لعبت شخصيتها كاترين زينا جونز، الفيلم من إخراج ستيفن سيبلبرغ.
وعلى مستوى الأعمال المسرحية كان للمطار حضور في مسرحية «مطار الحب» بطولة عبدالمنعم مدبولي وميرفت أمين ويوسف شعبان وكامل أنور وإخراج عبدالمنعم مدبولي.
تحكي المسرحية قصة عادل «يوسف شعبان» وهو شاب وسيم يعمل بالمطار مراقبا جويا، ومرتبط بمنى «ميرفت أمين» التي تعمل مضيفة، ومعروف عنه أنه مولع بإيقاع المضيفات في حبه وتتوالى الأحداث لتكشف منى مقالبه العاطفية في إطار كوميدي على طريقة «المدبوليزم» نسبة لعبدالمنعم مدبولي الذي قام بدوره بحب المضيفات ولكنه فشل.
وبين الواقع والفن خيط بلاتيني رفيع فهما وجهان لعملة واحدة، فإذا كانت المطارات تعكس مشاعر الناس في صالاتها الشاسعة فالفن أيضاً يعكس رؤى فنية غير بعيدة عن الواقع.
وجه آخر للمطارات مكمل لحكاياتها المتعددة، ولكنه يبعدنا عن دموع الفرح والفراق وتحقيق الأحلام ومعايشة الاحباطات، فما هو هذا البعد الذي نلقي عليه ضوءا ساطعا أيضاً؟
العديد من مطارات العالم تهتم بالنواحي الفنية الجمالية الراقية، من هذه المطارات مطار بروكسل الدولي الذي يتحول إلى متحف مفتوح للفنون التشكيلية، وبرغم ان السمة الغالبة لرواد المطارات هي السرعة والخطوات اللاحقة إلاّ أن هذه المطارات مثل ـ مطار بروكسل ـ تجبر رواده على الاستمتاع بجداريات الفن التشكيلي التي تملأ المطار، وهو سمة تعكس حضارة راقية وعنوانا لبلاد مميزة تعشق الفن، فيرتقي بها وترتقي به، فأحياناً كثيرة يكون الفن قوى دافعة ومحركة للإنسان نحو الأفضل والأرقى.
فالمساحات الشاسعة الخاوية في مطار بروكسل تحولت لصالات عرض للوحات تشكيلية ومنحوتات ضخمة تلفت نظر كل من يمر بها فتستوقفه، وكأنها تحية احترام وحضارة خاصة جداً تستقبل بها بروكسل القادمين إليها والمغادرين لها، والمطار المكون من أربعة طوابق تسوده نزعة فنية رائعة.
فاللوحات معروضة في أماكن غير مضاءة جيداً وهي بعيدة أيضاً عن المصاعد الكهربائية وشاشات الكمبيوتر وكل أدوات التكنولوجيا التي قد ثبت تأثيرها السلبي على الجداريات، من أشهر اللوحات الموجودة في مطار بروكسل لوحات الفنان العالمي فيليب دي بوا، ولوحات للفنان أنطوان مورتيه التي تلعب الألوان مساحة كبيرة فيها حتى أسماها النقاد لوحات المسطحات اللونية، ولوحات كلود دي ميان تملأ المطار ويقف المارة طويلاً أمام لوحة تمثل رجل براس غير واضحة الملامح.
وهي تجمع فيما بين التجريد والسيريالية، وتعتبر تحفة بكل المعايير الفنية، وقد علقت على ارتفاع شاهق خوفاً من تأثرها باللمس، وهي من اللوحات الضخمة التي تعرف بالجداريات، ترتفع إلى نحو خمسة أمتار، فيحلق الركاب في مطار بروكسل بين جماليات الفن ثم في فضاء رحب بين السماء والأرض، فالمطار البلجيكي لا يعكس البعد الثقافي فقط لبلجيكا وإنما يسهم في محو حالة التوتر التي غالباً ما تسيطر على المسافرين خاصة في المطارات العملاقة.
ومن أرقى مطارات العالم مطار «ميونيخ» الدولي ويسمى أيضاً مطار «فرانز جوزي ستراوس» وهو اسم لأحد كبار السياسيين بألمانيا، وهو ثاني أكثر المطارات ازدحاماً في العالم بعد مطار فرانكفورت، ويعتبر مطار ميونيخ أفضل مطار في أوروبا كما وصفته شركة سكاي تراكس الخاصة بشركات النقل الجوي.
أما مطار هونغ كونغ الدولي المعروف بمطار «تشيك لاب كوك» سمي بذلك نسبة للجزيرة التي تحمل الاسم نفسه والتي تم بناء المطار عليها تم افتتاحه في العام 1998 ويعتبر من أجمل مطارات العالم وأكثرها تكنولوجيا وحفاوة في الوقت نفسه بالمسافرين، ويتمتع بجماليات تفوق الخيال على الطريقة الآسيوية العالمية وحصل على لقب المطار الأجمل في العالم لأربع سنوات على التوالي، وفي العام 2007 حقق الرقم القياسي في نقل المسافرين الذين بلغ عددهم 57 مليون مسافر خلال العام 2007.
ويعتبر مطار دبي الدولي الذي يحتل المركز الخامس بين المطارات على مستوى العالم وهو أهم مركز جوي على مستوى الشرق الأوسط وواحد من أفضل عشرة مطارات على العالم ثم تدرج ليكون الخامس على مستوى العالم وأسرعها نمواً، يستقطب حالياً أكثر من 115 شركة طيران تغطي أكثر من 135 وجهة حول العالم وتبلغ سعته الاستيعابية حوالي أكثر من 70 مليون مسافر سنوياً، يتميز بجمالياته وتقنياته وحسن ترحيبه بكل المسافرين وسهولة الخدمات المتوفرة فيه، ويضم واحدة من أكبر الأسواق الحرة في العالم.
وتعتبر المطارات الوجهة الحضارية للبلد التي يقع فيها المطار، فهي العاكسة لحضارته وتقدمه ورقيه، وربما من هنا انعكست الحضارة الراقية لمطارات وسط أوروبا التي اهتمت بالجانب الفني، فكانت اللوحات والجداريات جزءا من تصميم تلك المطارات، فهي تخاطب الحس الإنساني الراقي، وتخفف من معاناة السفر والصعوبات التي قد يعاني منها المرضى المسافرون ونزعة الخوف المسيطرة عليهم، أيضاً تراعي تقديم بُعد فني ليخفف على ذوي الاحتياجات الخاصة متاعبهم ويخاطب فيهم الحس الإنساني.
ولا تضارب في تداخل أعلى نوعيات التكنولوجيا وأكثرها تعقيداً جنباً إلى جنب مع تواجد الفن والترفيه للصغار، فتكنولوجيا المطارات هي أحد المظاهر الحديثة دائمة التطوير والاستمرارية في تطوير المطارات ووضعها في الصفوف الأولى بين مطارات العالم، وفي تزايد النمو المستمر في حركة المسافرين لابد أن يلازم ذلك النمو التقني والصناعة الجوية، وفي زمننا الحالي باتت المطارات في كبريات العواصم حول العالم مدناً قائمة بذاتها تنعم بالاكتفاء الذاتي.
وقرى الشحن «كارجو» الموجودة في مطارات العالم هي جزء لا يتجزأ من تكنولوجيا الزمن الحالي لاستقبالها والاقلاع منها أساطيل من طائرات الشحن العملاقة، وهي أحد الأسباب الجوهرية لتجهيز المطارات.
ويعتبر مطار فرانكفورت واحدا من أعظم المطارات في العالم من حيث تطبيق تكنولوجيا المطارات ابتداءً من المعلومات التي تهم كل مسافر، وتقتصر الطريق في إنهاء الإجراءات دون الاحتكاك بأي من العاملين في المطار، فمطار فرانكفورت مزود بآلاف الشاشات الكمبيوترية لتوضيح كل ما يمكن الاستفسار عنه بالإضافة لشاشات لدائرة تلفزيونية مغلقة.
وشاشات توضيحية لأماكن متعددة بالمطار، ويوجد تحت المطار شبكة لسلك حديد تربط كل وسط أوروبا بعضها البعض، وهي الأولى على العالم من حيث الحجم وتقديم الخدمات والانضباط في المواعيد، وتسهيل الخدمة لذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين، إلى الحد أنه توجد عربات لقطارات مخصصة لهما، مزودة بأطباء وطاقم تمريض وفريق أمن.
هكذا تخاطب تلك المطارات إنسانية المسافرين وتعتبرهم من أولوياتها، فالإنسان هو عملة نادرة لا تقدر بثمن، هذا هو الشعار لدى الدول المتحضرة، لا يعنيها من هو المسافر وإلى أي جواز سفر ينتمي.. يكفي فقط أنه إنسان!
مطار شيفول «الروماني» جماليات فنية ثقافية
يعتبر مطار شيفول في العاصمة امستردام المطار الأكثر اهتماماً بالبعد الفني الجمالي بعد مطار بروكسل البلجيكي، تجمل صالات مطار شيفول الدولي أعرق الجداريات لأشهر الفنانين الهولنديين من أمثال «ميرميه» في القرن السادس عشر، ويعكس المطار جداريات لأكبر وأشهر فناني العالم في الفن التشكيلي، ومن هنا أطلق عليه المطار «الروماني» لجماليات اللوحات المعروضة فيه، ويميز حمامات هذا المطار.
بالإضافة للتقنيات الحديثة، تواجد لوحات تعكس جماليات الفن التشكيلي الهولندي والعالمي، وتتخذ من أبواب الحمامات من الخارج والداخل مكاناً لها، وهي فلسفة خاصة بأن على الإنسان الاستمتاع بالجمال في كل وقت.
بالإضافة لكتابة نبذة تحت كل لوحة تعكس سيرة حياة مختصرة للفنان وأشهر أعماله والحقبة الزمنية التي ينتمي إليها بالإضافة لتصنيفه الفني سواء أكان تجريدياً أو تشكيلياً أو سيريالياً.
فلاح المطارات
يعد «الأمير الصغير» واحداً من أهم الكتب التي ألفها الكاتب الفرنسي دو سانت «إكزوبري»، الملقب بفلاح المطارات وهي قصة تتحدث عن طفل من كوكب آخر، وعلى الرغم من مرور أكثر من 65 عاما على كتابتها إلا أنها لا تزال تتصدر مبيعات الكتب حول العالم، أما كاتبها عاشق الطائرات والطيران فلقد خرج في رحلة طيران عبر الأطلسي ولم يعد منها أبدا، ويقال إنه رحل في 12 يوليو 1944 في مهمة استطلاعية أثناء الحرب العالمية الثانية سقطت طائرته خلالها ولم يتم العثور على رفاته إلا عام 1988.
منى مدكور


