لو تأمل المرء ملياً فيما فعلته الحروب خلال القرن العشرين لانتابه الرعب من عودتها، ولو تأمل جيداً في نتائجها لسارع فوراً إلى أقرب هاتف طالباً من باراك أوباما إيقاف مخصصات الحرب، ومتوسلاً لبان كي مون سن المزيد من القوانين التي تعاقب الذين يشعلون فتيل الحروب، ولو كان في بلد حر يسمح له بالتظاهر لحمل لافتة وتوجه بها إلى بوابة السفارة الأميركية قبلما تعتقله الشرطة.. لو تأمل جيداً في ماضي أجداده لشعر بالعار لأنهم شوهوا قرن العلوم وثورة التكنولوجيا وجعلوه قرن حروب وكوارث.

مشروع لكل إنسان أن يخجل من ماضيه لربما قاده الخجل إلى الندم وقاده الندم إلى العودة عن الخطأ مستفيدا من حكمة الفضيلة وليس من استعراض الشجاعة عبر وسام نقش عليه «الحرب الكبرى من أجل الحضارة» وهو الوسام الذي كانت تمنحه بريطانيا لجنودها (الشجعان) الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية، لقد كانت معظم الحروب تريد نشر الحضارات بالقوة وتحت التهديد والترهيب سالت دماء الملايين، دماء تدفع للعار والخجل.

مئات الكتب وضعت عن الحرب في القرن العشرين وخاصة الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولكن الحروب التي قامت في النصف الثاني من القرن العشرين رغم تفاوت أحجامها كانت أكثر دموية وعديمة الأخلاق وبلا أي ذرة رحمة، ضحاياها من أبرياء الحياة، المخلوقات الضعيفة، الأطفال كانوا على قائمة الحرب بالدرجة الأولى، مرة يتلقون الرصاص ومرة يطلقونه، وفي إفريقيا لا أحد يستمتع بالقتل كما يفعل الأطفال وهم يرشقون الناس في الشوارع وكأنهم دمى.

في كتابه «الحرب الكبرى لأجل الحضارة» للصحافي البريطاني روبرت فيسك يدين الكاتب المتمرس الغرب إدانة شديدة فقد خاض فيسك حروب الشرق الأوسط ولم يوفر حروباً أخرى من ايرلندا الشمالية والجيش الجمهوري، إلى بيروت وحربها الأهلية ثم الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ومن فلسطين وانتفاضاتها وبطش الجيش الإسرائيلي بالفلسطينيين إلى بغداد وحروبها ثم احتلالها من قبل الأميركيين، من أفغانستان خلال الاحتلال السوفييتي، ثم حروب «المجاهدين الأفغان»، إلى الجزائر وحربها الأهلية، وإلى الشيشان وسواها وفيسك يكتب بلا هوادة، معاكساً التيار بجرأة ساخراً متهكماً كيف للحرب أن تبني حضارة ونحن لا نرى من مخلفاتها سوى تلك الدماء وتلك الأدخنة وملايين الضحايا .

ما كتبه روبرت فيسك صرخة في واد عميق يحتاج إلى آلاف تصرخ ضد الحرب ليس تظاهراً أو احتجاجاً ولكن خجلاً مما آل إليه حال البشر، إنما صرخة الكاتب أعلى وأقوى لأنها صرخة الأمم، صرخة ضمير الإنسانية.

hussain@albayan.ae