«لويس دو فونيس» الذي تشكل سيرة حياته موضوع هذا الكتاب هو بالتأكيد أحد أشهر الممثلين الكوميديين الفرنسيين خلال القرن العشرين، وقد وصلت شهرته إلى العالم أجمع وعرفه المشاهدون في كل مكان بزي الشرطي في فيلمه الشهير عن «شرطي سان تروبيز» وكُثر هم في العالم الذين رأوا أفلامه مرات ومرات وعلقت في ذاكرتهم رقصته الشهيرة وهو يتنكّر بزي الحاخام جاكوب أو وهو «يطلق النار على أنفه في فيلم أوسكار».

بالطبع هذا الكتاب ليس هو الأول عن سيرة حياة لويس دو فونيس، ولكن لعله الأكثر اكتمالا، ذلك أن مؤلفه «برتران ديكال» قد جمع عشرات الشهادات ونقب في آلاف المقالات الصحفية وبحث في الكثير من الأراشيف التي لم ينقب فيها أحد قبله وأعاد النظر في عشرات الأفلام التي كان للويس دو فونيس دورا فيها، من تلك الأدوار الثانوية الصغيرة إلى أن أصبح «الممثل الأكثر شعبية في السينما الفرنسية».

وفي هذا الكتاب الجديد عن لويس دو فونيس، الذي تزيد عدد صفحاته عن ال500 صفحة، يؤكد المؤلف أن فرنسا في القرن الحادي والعشرين لا تزال تحفظ في ذاكرتها بالصورة الطرية ل«شرطي سان تروبيز» و«سيارته الصغيرة الشهيرة» ذات الحصانين «دو شوفو»، والمؤلف يتابع مسيرة صعود المؤلف الشهير يوما بيوم وفيلما بعد فيلم وحيث أمضى في البحث 15 سنة كاملة.

وعبر إعادة صياغة الظروف التي رافقت تمثيل كل فيلم من أفلام دو فونيس، وصدى كل منها حياله عند خروجه للعرض في الصالات، وتحليل المشاهد الذي غدت اليوم من الكلاسيكيات «التي لا تفقد قيمتها وطراوتها»، عبر هذا كله يلقي المؤلف الضوء على الكيفية التي استطاع فيها «عازف على البيانو في إحدى الحانات» أن يصبح نمطا فريدا من البشر، متجاوزا بذلك الفنون التي ساهم فيها، باختصار أن يصبح «لويس دو فونيس».

ويرى المؤلف أن إحدى الميزات الاستثنائية التي تحلّى فيها لويس دو فونيس تتمثل في قدرته على نيل احترام الآخرين له، رغم مهنة الكوميدي، وإلى درجة ما «المهرّج» التي كانت تُقابل في تلك الحقبة بكثير من الشكوك. ولكن ذلك لم يمنع واقع تعامل النقاد معه على قدم المساواة مع فنّان مسرحي كبير، لا يزال هو الآخر أحد معالم فرنسا الفنية، أي ساشا غيتري.

وكان دوفونيس «الممثل الهزلي الوطني» قد وجد نفسه في «الجهة الرديئة» من الفن بأدواره الهزلية وبالعمل مع عدد من المخرجين المتواضعين، هذا فضلا عن أنه جسّد في أدواره شخصية «لصقت فيه كشخصيته الحقيقية في الحياة» لا تمتلك أية ميزة من ميزات البطولة، بل تبرز وستعرض» أكبر النقائص والمسالب التي تتسم فيها البورجوازية الصغيرة، أي تمثل باختصار كل ما كان الفكر الحديث يميل نحو محاربته.

الشخوص التي مثّلها لويس دو فونيس في السينما هي مزيج من المسكين والمنافق والانتهازي والمستغل لسلطته ومتملّق الأغنياء والأقوياء والمتعالي على الصغار. وهذا كله وغيره من «دناءات» اللعبة الاجتماعية قدّمه على الشاشة واستطاع أن يثير ضحك الجمهور.

بالمقابل كانت الصحافة كلها تنظر إلى ذلك النجم السينمائي الشعبي الصاعد بكثير من التشكك... فاليساريون كانوا يرون فيه نموذجا مخالفا لما تطلبه أخلاقيات ما بعد أحداث ثورة الطلبة في شهر مايو 1968، والصحافة اليمينية كانت تحسّ أنها لا تفهم جيدا تجاوزات فنان لا يمكن تصنيفه في إطار القوالب التقليدية للسينما.

ويشير المؤلف هنا إلى أن الجمهور العادي، جمهور المشاهدين، كان في أحيان كثيرة أكثر فهما ل«الرسائل» التي يطلقها الفنان من النقّاد الأخصائيين. لقد كان ذلك الجمهور نفسه عبر «مرآة» دوفونيس. ذلك على خلفية إدراك أن الضحك يسخر من عاداتنا السيئة، ولكنه يتسامى فوقها بنفس الوقت. الخبراء كانوا ينضمّون إلى الموجة، ولكن وراء الجمهور وليس في طليعته. وهنا يكمن أحد أسرار تعلّق الناس بهذه الشخصية الأسطورية التي مثّلها لويس دو فونيس.

وإذا كان هؤلاء الناس قد نسوا التعليقات «العنيفة» أحيانا التي أصدرتها مجلة مختصة مثل «دفاتر السينما»، فإن الأجيال توارثت أفلام لويس دو فونيس وأخرجتها لمشاهدتها بين الفينة والأخرى. وأصبحت هذه الأفلام من «العناوين» التي تفتخر بها السينما الفرنسية. ولعلّ من أهم ميزات هذا الكتاب، أن مؤلفه، برتران ديكال، لم يقدّم شرحا نظريا «ملتزما» للدفاع عن «بطله»، لكنه قدّم بالأحرى مجموعة من الوقائع التي تثبت «فرادته».

وما يؤكده المؤلف في المحصلة هو أن دو فونيس لم يصل إلى ما وصل إليه صدفة، لكنه درس بعناية، قبل تكريس نجاحه عام 1954، ما يثير اهتمام المواطن الفرنسي العادي ويجذب اهتمامه، كي يصنع مسرحه الشخصي. ثم فرض «النوع» الذي بلوره في السينما. ثم إن أداءه الفني عبر الحركات وتقطيب الجبين أصبح «ماركة» وجدت أصداءها لدى الجمهور في العالم أجمع.

وكتاب أيضا عن نصف قرن من الثقافة الشعبية الفرنسية ومن التنقيب في ذاكرتها الجماعية... بل وكتاب عن المجتمع الفرنسي نفسه منذ منتصف القرن الماضي.

المؤلف في سطور

يقوم برتران ديكال، مؤلف هذا الكتاب، بالكتابة منذ سنوات طويلة عن الثقافات الشعبية، وهو يساهم في الحديث عنها في مختلف وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة. سبق له وقدّم مؤلفات عديدة منها «الأغنية الفرنسية للمبتدئين» و«الملحمة الغربية لربيع غينسبورغ»، الخ.

الكتاب: لويس دو فونيس

تأليف: برتران ديكال

الناشر: غراسيع وفاسكيل باريس 2009

الصفحات: 524 صفحة

القطع: المتوسط

Louis de Funès

Bertrand Dicale

Grasset et Fasquelle -

Paris 2009