تنبأ عالم الاجتماع الفرنسي الكبير الراحل ريمون آرون، الذي كان أحد منظري اللبرالية بامتياز، أن ملامح أزمة هذه اللبرالية قد تتبدى في إفلاس البنوك وانهيار الأسواق واندهاش رجال السياسة وشيوع حالة الهلع لدى الرأي العام. هذه الملامح كلها يرى الاقتصادي الفرنسي «نيكولا بافوريز» أنها قد تحققت بعد أن أعلن بنك «ليمان بروزر» إفلاسه في 15 سبتمبر من عام 2008، وهذا ما يشرحه في كتابه الصادر قبل أسابيع قليلة تحت عنوان: «بعد الطوفان».
ويسأل بافوريز بداية عما إذا كان الناس عاقلون في سلوكيتهم حيال العالم الذي يعيشون فيه؟ ويجيب أنه لا أحد يعرف متى سوف تنتهي الأزمة المالية العالمية الراهنة، ولا أحد يعرف أيضا كيف ستنتهي؟ إن القناعات الوحيدة التي يقول فيها المؤلف هو أنه «بعد الطوفان» سوف تكون هناك، صدمات أخرى، لكن المشكلة الحقيقية هي أن العولمة بنسختها الراهنة لم تعد قادرة على تحمّل «هزة» مماثلة للتي تواجهها اليوم. على خلفية مثل هذه الأطروحة يؤكد نيكولا بافوريز على ضرورة التعمق في البحث من أجل فهم الأسباب الحقيقية وراء الأزمة الحالية، والغوص في تاريخ «الفقاعات المالية» والانهيارات التي تلت «انفجارها». ذلك من أجل تجنّب كل أشكال المقارنات الخاطئة وعدم اللجوء «السهل» إلى «الحلول الجاهزة».
تتوزع مواد هذا الكتاب بين ستة فصول تحمل العناوين التالية: « يوميات أزمة معلنة» و«من الفقاعة إلى الانهيار»،» انحسار أم انحطاط القوى؟» مناقب العولمة ومسالبها»، و«برّ السلام بواسطة السياسة الاقتصادية»، وأخيرا«التحوّل الكبير للرأسمالية العالمية».
إن المؤلف يقوم في هذه الفصول كلها، وعبر المزج بين التحليل الاقتصادي للأزمة الراهنة ودروس التاريخ منذ القرن السادس عشر، أي منذ عصر النهضة الأوروبي، بتحليل الأسباب التي تدعوه للقول أن العالم يشهد اليوم نهاية العولمة القائمة على تأكيد الأرجحية المطلقة للولايات المتحدة الأميركية وعلى احتكار الغرب للتاريخ العالمي منذ أكثر من أربعة قرون.
ويحدد القول أنه بعد الخروج من الأزمة، أي «بعد نهاية الطوفان» ستكون أصعب المهمات هي في تصور وصياغة أشكال جديدة من التوازن «الفاعل» حتى نشوب الأزمة الحالية بين المال والصناعة، وبين رأس المال والعمل وبين الدولة والسوق.
وفيما يتعلق بتحليل أسباب الأزمة لا يتردد المؤلف في القول أن هذه الأزمة التي انطلقت بعد إفلاس بنك أميركي كبير ليست «حدثا عارضا» يُضاف إلى قائمة الأحداث الكثيرة التي تعرّض لها النظام الرأسمالي، وأنها شهدت تكرار درس» سيناريو قديم قدم الرأسمالية نفسها». ويتلخّص هذا السيناريو بآليات تشكل فقاعة ثم انفجارها وسريان العدوى انطلاقا من القطاع المالي المأزوم ووصولا إلى مجمل النشاطات الاقتصادية. ذلك بسبب انهيار الطلب والقروض المصرفية.
الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الراهنة ليست إذن حادثا طارئا ولكنها بالأحرى، كما يراها المؤلف، بمثابة «قطيعة تاريخية» في سياق سادت فيه اللبرالية الجديدة طيلة ثلاثة عقود كانت ملامحها الأولى قد ظهرت مع ما أسماه البعض ب«الثورة المحافظة» التي دشّنها الرئيس الأميركي الأسبق رينالد ريغان.
وهذه «القطيعة» بالتحديد هي التي يجدها المؤلف بالتحديد إعلانا لنهاية حقبة أبعد من العقود الثلاثة الأخيرة التي سادت فيها اللبرالية الجديدة لتطال حقبة سيادة أميركية استمرت قرنا كاملا ونهاية «دورة تاريخية» من سيادة غربية لا منازع لها استمرت عدة قرون.
وضمن مثل هذا النهج من التحليل، وعبر تحليل مختلف مراحل «تشكّل» الأزمة الراهنة، يحدد المؤلف القول أنها الأزمة الأولى التي تواجهها الرأسمالية الشاملة «الكونية». هذه الأزمة التي «دمّرت» ما يعادل إجمالي الإنتاج الداخلي العالمي لمدة سنة كاملة، أي حوالي 50000 مليار دولار.
ومع هذه الأزمة، «الأزمة الكبرى للعولمة»، غدا من الصعب على الولايات المتحدة أن تستعيد دورها الراجح، وأن يستعيد العالم توازنه. وبهذا المعنى يتم تشبيه إفلاس بنك «ليمان بروزر» الأميركي في شهر سبتمبر 2008 بالعملية العسكرية اليابانية التي استهدفت القاعدة العسكرية الأميركية «بيرل هاربر» في هاواي عام 1941. هذا مع فارق كبير أن الولايات المتحدة استطاعت آنذاك أن تستعيد الإمساك بزمام الأمر، الأمر الذي لا يبدو ممكنا هذه المرة.
وتقول التحليلات المقدّمة أن الولايات المتحدة سوف تحافظ على عدد من الأوراق الرابحة بيدها وليس أقلها نموّها الديموغرافي وقابلتها الكبيرة للقيام بإصلاحات وللتأقلم مع المعطيات الجديدة. لكنها بالمقابل وبسبب «تفجّر» نموذجها ـ موديلها ـ الاقتصادي القائم على الاستدانة ستعاني من تراجع نموّها الاقتصادي العام. ثم إن فشلها في وضع نهاية «تحفظ ماء وجهها» في حربي العراق وأفغانستان سيؤدي إلى تراجع زعامتها الإستراتيجية على الصعيد العالمي.
وأين الحل إذن؟ نقرأ أن بقاء العولمة «يمر عبر ثورة سياسية، بصيغة نوع من الحكومة العالمية وبثورة اقتصادية مع تغيير نماذج التنمية. هاتان الثورتان لا تزالان بعيدتان».
ونقرأ في مكان آخر أن الرأسمالية تواجه «نفس مخاطر عشية الأزمة» لكنها« استنفذت إمكانيات الدفاع».
المؤلف في سطور
معروف عن نيكولا بافوريز أنه أحد الاقتصاديين الفرنسيين المقرّبين من الرئيس نيكولا ساركوزي. وهو أيضا مؤرخ. من كتبه: «فرنسا التي تقع» و«عالم جديد» و«فرنسا العجوز» و«في الطريق نحو المجهول».
الكتاب: بعد الطوفان
تأليف: نيكولا بافوريز
الناشر: بيران باريس 2009
الصفحات: 193 صفحة
القطع: المتوسط
Après le déluge
Nicolas Paverez
Perri - Paris 2009
391P.
