ليس هناك من لم يسمع باسم «المافيا»، فهذا الاسم يحمل بحد ذاته «رمزا» لمنظمة إجرامية قوية. لكن نادرين أولئك الذين يعرفون الشيء الكثير بدقة عن تاريخها. سلفاتور لوبو، الأستاذ في جامعتي كاتانا ونابولي الإيطاليتين أولى اهتمامه لدراسة هذه المنظمة وهو صاحب أحد أهم الكتب عنها تحت عنوان «تاريخ المافيا» والذي ننشره جامعة كولومبيا الأميركية هذا العالم.

وما يتم تأكيده منذ البداية هو أن المافيا ظاهرة تمتد على المستوى العالمي كله ولها علاقاتها وارتباطاتها المتشابكة وصولا إلى السلطات السياسية في العديد من البلدان في مقدمتها إيطاليا عامة والسلطات المحلية في جزيرة صقلية بشكل خاص. هذا فضلا عن ارتباطاتها الوثيقة بالمراكز المالية النافذة بحيث يتم القول كثيرا إنها هي التي تمتلك السلطة الحقيقية. في كثير من الأحيان على صعيد الاقتصاد وربما على صعيد السياسة.هذه المظاهر العامة التي تتكرر بأشكال كثيرة في مختلف الأدبيات الخاصة بالمافيات ليست سوى الإطار العام الذي ينطلق منه سلفاتور لوبو في محاولة للذهاب أبعد في تاريخ المافيا وصولا إلى تحديد رهاناتها وتاريخها الحقيقي. وهو يعتمد في عمله على العديد من المصادر القضائية والبوليسية وعلى الأراشيف المختلفة، هذا فضلا عن معرفته الدقيقة والمباشرة والعميقة لواقع صقلية ـ التي تمثل «عاصمتها» باليرمو مهدا أساسيا للمافيات. وكان قد مارس التدريس في جامعتها لسنوات عديدة.

ويغطي التاريخ الذي يكتبه المؤلف ظاهرة المافيا منذ بدايات تشكّلها «في حدائق بساتين البرتقال» في منطقة باليرمو وصولا إلى تفرعّاتها الدولية الواسعة في الزمن الراهن. ويحدد السمة الأولى لظاهرة المافيا ب«استمراريتها» التاريخية.

أما النتائج الأساسية التي يصل إليها فيتمثّل أهمها في ضرورة الذهاب أبعد من الأساطير و«الكليشيهات» العديدة عن المافيا وعدم اختزال تاريخها المضطرب إلى سلسلة من الجرائم والتجاوزات والخيانات والحروب الداخلية بين «العائلات» المكوّنة لها إلى مجرد «تكدّس» للمغامرات ذات الطابع المحلي والفولكلوري.

ومن جهة أخرى يؤكد المؤلف أن صعودها القوي عبر مجموعة متشعّبة ومعقّدة من التحالفات ومن أشكال القطيعة مع أوساط رجال الأعمال ومع مختلف القوى السياسية إنما يتقاطع إلى حد كبير، وفي جميع المراحل مع تاريخ إيطاليا نفسه. وبهذا المعنى يشكل هذا الكتاب نوعا من كتابة تاريخ إيطاليا نفسه، والذي كان قد خصّه بكتاب كامل سابقا تحدث فيه أيضا عن ظاهرة المافيات.

ويقدم المؤلف في تحليلاته عن المافيا عددا من البراهين أنه كان للمافيا حضورها المستمر على مدى ال150 سنة الأخيرة من تاريخ إيطاليا. وتقديم الدلائل أيضا على أن التطوّر الاقتصادي الذي شهدته البلاد منح المافيات فرصا جديدة من أجل تعزيز نفوذها وتعزيزه. ولم يؤد إلى كبحها وتقليص قوتها، رغم أنها منظمة قائمة في الأصل على ممارسات شكّل استغلال الشرائح الفقيرة من السكان أحد مشاربها الأساسية. ومن المفروض أن يكون دور السلطات العامة هو حمايتها.

على مستوى الوقائع يشير المؤلف أن المافيا شهدت ولادتها في «باليرمو» على يد «انطونيو جيامونا»، الذي كان هو «عرّابها» الأول ثم برز وجودها في الخارج عبر منظمة «كوزا نوسترا» في الولايات المتحدة مع استمرار وجودها، بالتوازي، داخل المجتمع الإيطالي. «كذلك إذا كانت المافيا قد استفادت في بداياتها «عبر» الفقر والفساد في صقلية، فإن بنيتها قد تطورت مع الزمن.؟

ويرسم المؤلف في هذا الكتاب صورة كاملة للطريقة التي استفادت فيها المافيا من مختلف الحكومات المركزية الضعيفة «الفاسدة». ثم طوّرت المنظمة من أساليب عملها بحيث أنها أصبحت ذات مكانة مركزية في النظام وليس مجرّد «قوة طفيلية» تستفيد من هذا النظام.

لكن المؤلف، ومع تأكيده على العلاقات المستمرة والخاصة، بين المافيا الإيطالية والمافيا الأميركية، يشير إلى عدد من أشكال التباين بينهما. فالمافيا في الولايات المتحدة جرت صياغتها «على شاكلة المجتمع الأميركي» وانخرطت مجموعاتها في الحياة الأميركية. وقامت في البداية «منظومة من العرّابين ومن الزبائن الذين يتبادلون المكاسب والخدمات وعدد من الميزات الأخرى»، كاستمرار للصيغة التي كانت قائمة في البلد الأصلي. لكن مثل هذه المنظومة تحوّلت بمقدار اندماج الأميركيين ذوي الأصول الإيطالية في الدوائر العليا لمجتمع الولايات المتحدة.

لكن بكل الحالات بقيت القاعدة السائدة في العلاقات المافيوزية هي نوع من قبول المنخرطين فيها بقوانينها وإطاعة «أصحاب القرار» فيها دون البحث عن أية براهين ملموسة عن صحة ما تقوم فيه من أفعال.

وتاريخ المافيا منذ الأصل حتى اليوم يقوم ،كما يقدمه المؤلف ،على ركيزتين هما أنها أوّلا «منظمة محكمة يسود فيها قانون السر» وثانيا أنها تقوم على «عقلية استمرّت معها منذ التأسيس». الركيزتان مكرّستان لهدف واحد هو المحافظة على التقاليد المافيوزية الموروثة.

بكل الحالات يؤكّد المؤلف أن المافيات عززت من قوتها خلال العقود الأخيرة من الزمن.

الكتاب : تاريخ المافيا

تأليف: سلفاتور لوبو

الناشر: جامعة كولومبيا 2009

الصفحات: 352 صفحة

القطع: المتوسط

History of the mafia

Salvatore Lupo

Columbia University Press 2009

352P.