هل يمكن للمرء أن يكون أسود البشرة ومدرّسا في فرنسا؟ مثل هذا السؤال يطرحه صحفيان فرنسيان ويحاولان الإجابة عنه في كتاب يحمل عنوان: «النجدة، المعلّم أسود البشرة».

مثل هذا السؤال والإجابة المقدمة عنه يحتويان بعض الغرابة في الوقت الذي قام فيه الأميركيون باختيار رئيس أسود بينما كان السود يناضلون قبل عقود قليلة من أجل نيل حقوقهم المدنية، وكانت أوروبا بالمقابل قد قامت رسميا قبل حوالي قرنين بإلغاء العبودية. وكانت الثورة الفرنسية الكبرى قد رفعت شعارات «الحرية والمساواة والإخاء» كمبادئ تتأسس عليها علاقات البشر فيما بينهم.هذا السؤال مدهش، يؤكد الصحفيان ـ المؤلفان كي يؤكّدا مباشرة أن الكثير من المدرّسين منذ الحضانة وحتى المدرسة الثانوية يطرحونه على أنفسهم كل صباح وهم يتوجهون لقاعات الدرس التي «سيواجهون» فيها تلامذة «بيض».مصادر الإزعاج الكبرى تأتي في أحيان كثيرة من سخرية التلامذة بأساتذتهم عبر تقليد طريقتهم ب«اللفظ» أو بسبب لون بشرتهم بكل بساطة. لكن قد يأتي الإزعاج أحيانا من الأهالي، أهالي التلامذة الذين لا يبدون حيالهم الاحترام الكافي.

ويصل الأمر بهم أحيانا إلى التشكيك بكفاءاتهم العلمية والتربوية. ويذكر المؤلفان «عقبة» أخرى يواجهها المدرّسون «ذوو البشرة الملونة» وهي أنهم لا يحصلون بنفس سهولة المدرّسين البيض، كما يبدو، على تعيينهم كمدرّسين «مرسّمين» كاملي الحقوق والواجبات.هؤلاء المدرسون السود يواجهون العديد من الإشكاليات «النفسية» في ممارسة عملهم اليومي التربوي. هذا خاصة أن إدارات التربية الوطنية الفرنسية لا تفعل الشيء الكثير، كما يرددون، من أجل مساعدتهم.

بل تسود فكرة مفادها أن هذه الإدارات تفعل بالأحرى العكس، حيث هم الذين يحظون ب«الأولوية» في التعيين بالضواحي «الصعبة»، أي تلك التي تتواجد فيها نسبة كبيرة من المهاجرين. وتحديدا المهاجرين من ذوي الأصول العربية، وبالتحديد أكثر من بلدان المغرب العربي الثلاثة: المغرب والجزائر وتونس التي كانت مستعمرة من قبل فرنسا. ومن السود أيضا.

هذه الضواحي كانت قد عرفت في خريف عام 2005 أعمال شغب كبيرة وحرق عشرات آلاف السيارات. المعادلة التي يطرحها المؤلفان تتمثل بالقول: «مدرّسون سود جرى الحطّ من قيمتهم من أجل تلامذة سود جرى الحطّ من قيمتهم هم أيضا».وهنا يفتح المؤلف قوسين للتساؤل: هل نحن بصدد التوجه نحو إيجاد مناطق معزولة «غيتوات» كما هو الحال في كندا وبريطانيا وحيث تتواجد مدارس للسود مدرّسوها وتلامذتها هم من السود؟

لقد قام المؤلفان بإجراء مقابلات مع أكثر من 60 مدرّسا من ذوي البشرة السوداء تعود أصولهم لمحافظات ما وراء البحار، أي المارتينيك وغوادلوب وغيرهما، أو من إفريقيا. هؤلاء المدرسون يرددون عبر مجموعة من الحكايات والمشاهد والتعليقات أن فرنسا في عام 2009 «لا تزال على قناعة أن المعرفة هي بيضاء اللون».

إن الأهل يواجهون أحيانا المدرّسين «الملونين» ببعض التعبيرات «العنصرية» الصريحة مثلا لتبرير «ضعف أطفالهم باللغة الفرنسية» أو أحيانا بطرق مقنّعة مثل طلب «تغيير صفوف أبنائهم كي لا ينفصلوا عن زملائهم المعتادين».

ويؤكد المؤلفان أن هناك أحكاما مسبقة حيال المدرّسين «الملونين» خاصة عندما يقومون بتدريس مواد أساسية كاللغة الفرنسية أو الرياضيات.

نقرأ: «أن يكون مدرّس الرياضة أسود البشرة، هذا لا يطرح أية مشكلة، لكن أن يكون أستاذ مادة نبيلة كالرياضيات أو اللغة الفرنسية في الأقسام الأدبية، فهذا مدعاة للتعجّب والتشتت الذهني».

لكن ما يثير الانتباه هو أن الأهالي السود أيضا لديهم نفس الأحكام المسبقة كالتي لدى البيض. وهم يؤكّدون أيضا على تفوق «البيض» في ميادين المعرفة. إنها «عقدة الدونية» الموروثة من الحقبة الاستعمارية. هكذا يرى الأهالي في الأحياء ذات الأغلبية السوداء أو المغاربية أن تعيين مدرّس أسود البشرة في مدارس أبنائهم دليل على عدم اهتمام الدولة بهم. «إن أطفالهم ليسوا جديرين أن يكون مدرّسوهم من البيض»، كما نقرأ.

بكل الحالات تبقى ردود الفعل «العنصرية» مخبأة، لكنها تبرز عند أية مشكلة مع تلميذ أسود. وقد تبرز عند تعيين مدرّس أسود في «الأحياء الراقية» حيث يُواجه بنوع من «الاحتقار» من قبل زملائه. ولم يتردد بعض هؤلاء المدرّسين «الملونين» باللجوء إلى الإدارات التربوية لشجب ما يعانون منه من تمييز عنصري». ولكن «الاستجابة» هشّة، وغالبا محدودة.

وكتاب يعطي الحديث للمرّة الأولى لمدرسين ومدرسات سود البشرة يعانون من عدم الاعتراف بقيمتهم العلمية والتربوية في عالم لا يزال يصرّ على أن المعرفة بيضاء.

الكتاب: النجدة المدرّس أسود البشرة

تأليف: سيرج بيلي، ماتيو ميراتفيل

الناشر: باسكال غالودي باريس 2009

الصفحات: 160 صفحة

القطع: الصغير

Au secours, le prof est noir

Serge Bilé, Mathieu Méranville

Pascal Galodé Paris 2009

160P.