عاشت مدام دو ستايل، «جيرمين دو ستايل»، اسمها الحقيقي بعد زواجها، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر (1766-1817). وقد عاشت «أكثر من حياة في حياة واحدة»، كما تشير المؤلفة منذ البداية. وذلك في فترة مضطربة من تاريخ فرنسا، هي تلك الفترة التي أعقبت قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 والاضطرابات والصراعات الداخلية التي تبعتها، وخاصة الدور الذي لعبه نابليون بونابرت آنذاك.
وإذا كان الموضوع «المعلن» لهذا الكتاب هو سيرة حياة «السيدة دوستايل» فإن تاريخ فرنسا خلال فترة حياتها يشكل موضوعا «حقيقيا» فيه. ذلك على أساس أن الظروف الخارجية ساهمت إلى حد كبير في صقل شخصية السيدة دوستايل وأعطت لسلوكيتها أصداء عامة كبيرة، خاصة أنها جعلت من «صالوناتها الأدبية» ملتقى لأولئك الذين رفعوا آنذاك أفكار الحداثة.الصورة التي ترسمها المؤلفة للسيدة دوستايل يمكن التعبير عن خطوطها العريضة بأنها كانت: «ذكية ومفعمة بالحماس وأنيقة ولطيفة المعشر ومهذبة في الحوار ومؤلفة لامعة وناشطة لبرالية جريئة». ومن السمات الأساسية أيضا التي تركّز المؤلفة عليها في شخصية «بطلتها» هو أنها كانت «مأخوذة بموضوع السياسة وبالدفاع عن حقوق المرأة».
كانت الطفلة «لويز جيرمين نيكر» ابنة مصرفي فرنسي كبير ووزير للاقتصاد لدى لويس السادس عشر. ووجدت نفسها منذ سنوات مراهقتها، بعد قيام الثورة الفرنسية، في صفوف المعارضة السياسية خاصة ضد نظام نابليون بونابرت على أساس أنها كانت قد تربّت في الدوائر العليا من النظام القديم.
وقد أعطاها نشاطها السياسي مكانة خاصة في التاريخ الفرنسي، ولكنه جرّ عليها بالمقابل قدرا كبيرا من الإهمال، على الصعيد الأدبي. ذلك أن رواياتها، التي كانت تصب بأغلبيتها في خانة الدفاع عن حقوق المرأة، طواها النسيان لفترة من الزمن. واختفت «مراسلاتها» التي يعتبها النقّاد من أفضل آثارها الأدبية وكانت ابنتها «البرتين» هي التي جمعت ما استطاعت جمعه من تلك الرسائل عند وفاة والدتها عام 1817 و«أخفتها» بغية المحافظة على سمعة أمها المعروف عنها أنها «كانت تكتب من أجل أن تحب، وتحب من أجل أن تكتب».
وكان السلوك الذي اختارته بالخروج على صرامة التقاليد قد جرّ عليها أيضا «غيرة النساء وحذر الرجال». هذا مع تأكيد المؤلفة أنها تلقّت تربية تقليدية صارمة في كنف أسرتها التي كانت ترغب أن يكون لها وريثا ذكرا، ولذلك تعاملت مع الابنة «لويز جيرمين» كـ «صبي» بعيدا عن «الأنوثة» تماما.
وحرصت والدتها على أن تنمّي مواهبها الذهنية دون أن تهتم بتربية «ابنة مراهقة».وفي إطار مفاوضات عائلية مؤطّرة قبلت أسرة «نيكر»، أسرتها الغنية، بزواجها مع السيد «دوستايل» الذي غدا فيما بعد سفيرا للسويد في باريس. لكن تلك التسوية العائلية لم تؤدِ إلى تسوية المسائل العاطفية. وبعد فترة من الخصومة والمشاجرات عرف الزوج أنه من الأفضل، حفاظا على استمرارية الزواج اجتماعيا، عدم الظهور كثيرا وسط المشهد. وهذا ما عبّرت عنه السيدة دوستايل نفسها بالقول عنه: «من بين جميع الرجال الذين لا أحبهم، هو الرجل الذي أفضله».
ومن الصفات التي يتم ذكرها عن السيدة دوستايل هو أنها لم تكن تمتلك أي قدر من الجمال ولذلك حاولت أن تستخدم مواهبها الذهنية، من أجل فرض نفسها في محيطها من الرجال. وكان من بين الذين عاشت علاقة معهم «تاليران»، أحد أشهر رجال السياسة في التاريخ الفرنسية والسياسي والكاتب الشهير «بنجامان كونستان».
وتتم الإشارة في هذا السياق أن السيدة دو ستايل هي التي «استوردت» النزعة الرومانسية الألمانية وثبتت وجودها في فرنسا، ذلك على أساس تأكيدها أن العواطف تتم كتابتها بمقدار ما يتم عيشها.
لكنها اعتبرت عامة أن النساء أكثر قدرة من الرجال على عيش الانفعالات والعواطف، بل ذهبت إلى حد اعتبار أن «الحب يشكل تاريخ حياة النساء» وهو ليس سوى «حكاية صغيرة في حياة الرجال». لكن يُنقل عنها بالمقابل قولها: «إن العبقرية لا جنس لها».
إن المؤلفة ومن خلال العودة إلى البحث في المحطات الرئيسية بسيرة حياة السيدة دوستايل من زواجها «غير الناجح» والعقلاني عبر تدبير أسرتها، وأمومتها لطفلتها «البرتين» ولنفيها الطويل من فرنسا و«معركة الإرادات» القاسية التي خاضتها مع نابليون بونابرت إنما تؤرخ بنفس الوقت لفرنسا خلال تلك الفترة وخاصة لحركاتها الاجتماعية وفي مقدمتها معركة حقوق المرأة.
ولا تتردد المؤلفة في التأكيد بنهاية المطاف أن السيدة دوستايل كانت رائدة للتيار الرومانسي في فرنسا وأحد عقول عصر التنوير وأحد الوجوه الهامة للحركة الأدبية الفرنسية في القرن التاسع عشر.
الكتاب: السيدة دوستايل المرأة الحديثة الأولى
تأليف: فرنسين دوبليسكس غراي
الناشر: اتلاس وشركاؤه لندن 2009
الصفحات: 224 صفحة
القطع: المتوسط
Madame de Staël, the first modern woman
Francine du Plessix Gray
Atlas and Cie
London2009
224P.

