اهتمت «مابيل بيرزن» الأستاذة في جامعة كورنيل، بدراسة التداخل بين السياسة والثقافة في التاريخ الأوروبي الحديث والمعاصر. وقد قدّمت عدة أعمال وسلسلة طويلة من الدراسات في هذا الموضوع، من بينها كتابها الأخير الذي يحمل عنوان: «سياسات غير لبرالية في الأزمنة اللبرالية الجديدة». ومع عنوان فرعي يلقي الضوء على مضمون الكتاب حيث جاء فيه: «الثقافة والأمن والنزعة الشعبوية في أوروبا الجديدة».
من المشهور عن أوروبا أنها أرض التعددية الثقافية بامتياز. لكن مؤلفة هذا الكتاب ترى الوجه الآخر للميدالية. إنها تولي اهتمامها بالدرجة الأولى إلى ظاهرة صعود النزعات اليمينية المتطرفة التي تُقيم إيديولوجيتها على «الإقصاء» وعلى استغلال المشاعر الشعبية ضد الاعتراف عمليا بالتعددية. لكن المؤلفة تشرح بنفس الوقت أن مثل هذه الظاهرة «الشعبوية» التي ازدهرت في أوروبا خلال عقد التسعينات الماضي بشكل خاص إنما كانت بمثابة «مفاجأة تاريخية» أكثر مما كانت «حدثا متوقعا» مقروءًا في مسار التاريخ الأوروبي الحديث.وبعد مقدمة تتحدث فيها المؤلفة عن «اللحظة الشعبوية كمفاجأة تاريخية» تقوم بشرح الأفكار التي يتضمنها الكتاب في ثلاثة أقسام رئيسية تحمل العناوين التالية: «سياق اللحظة الشعبوية» و«مسار الالتزامات الضيّقة: فرنسا والجبهة الوطنية» ثم أخيرا: «أوروبا والنظريات السائدة والنزعة الشعبوية».
إن المؤلفة تستخدم طريقة للتحليل فيها الكثير من التجديد حيث أنها تقوم بتحليل ظاهرة الجبهة الوطنية الفرنسية، أي الحزب اليميني المتطرف الذي يتزعمه جان ماري لوبن، على أساس علاقته مع سياق يتجاوز فرنسا أي بالعلاقة مع السياق الأوروبي وأبعد منه مع سياق العولمة.
ويتم التركيز على شرح المسارات السياسية والثقافية التي جعلت مثل هذه الظاهرة محط اهتمام شرائح متزايدة من المواطنين الفرنسيين، بحيث تؤكد المؤلفة أنه لا يمكن فهم النزعة الشعبية «الضيقة»، أي التي تستخدم المشاعر الشعبية لصالحها، إلا عبر فهم التركات التاريخية والممارسات الوطنية العالمية. أي بمعنى آخر ترى المؤلفة أن فهم هذه الظاهرة يتطلّب بالضرورة استخدام مجموعة من المشارب ومن مناهج البحث المتنوّعة التي تشمل بالضرورة السياسة وعلم الاجتماع والتاريخ. هذا إلى جانب فهم العلاقة بين الديمقراطية والأمن السياسي والاجتماعي.
وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تولي اهتماما خاصا لدراسة حالة الجبهة الوطنية في فرنسا، فإنها تذهب أبعد في تحليلها في سبيل إظهار آليات بروز الحركات المتطرفة في البلدان الغنية. وتقول أن فرض النماذج ـ الموديلات ـ اللبرالية الجديدة التي شجّعتها العولمة وتواكبت مع التنمية الاقتصادية إنما يتطلب من النخب «التفاوض على عقد اجتماعي جديد بين المواطن والدولة». وذلك كإشارة إلى كتاب «العقد الاجتماعي» لجان جاك روسو والذي يمثل القاعدة الأساسية لضبط علاقة الأفراد فيما بينهم وعلاقاتهم مع السلطات العامة.
لكن بالمقابل تؤدي ضرورة إعادة النظر في «العقد الاجتماعي» القائم بسبب القواعد التي تفرضها الليبرالية الجديدة إلى قيام نوع من البلبلة الاجتماعية في فترة اهتزاز القواعد التقليدية وعدم ترسخ القواعد الجديدة.
مثل هذا المناخ هو الذي يستغلّه بالتحديد رجال السيارة عبر اللعب على شعارات السيارة والتخويف من التهديدات الواقعة على الهوية الوطنية. لكن الأهداف الحقيقية والبعيدة لهؤلاء الساسة إنما هي الفوز في الانتخابات واكتساب قوة سياسية أكبر.
ومن النتائج «الجديدة» التي تتوصل إليها مؤلفة هذا الكتاب، تأكيدها أن السلوكيات «الفاشية الجديدة» الصادرة عن الحركات المناهضة للهجرة والمهاجرين لا تمثل تعبيرات عن استمرارية لتيارات قديمة، مثل تلك التي عرفتها إيطاليا في ظل نظام موسوليني الفاشي خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، ولكنها أيضا نتائج «متوقعة» لنظام عالمي يؤكد هو نفسه على النخبوية.
ونتيجة هامة أخرى تصل إليها المؤلفة وهي أن مشاعر الانتماء الأوروبي، رغم مسار تاريخي بدأ من معاهدة روما التي وقعتها ست دول أوروبية عام 1957 إلى الاتحاد الأوروبي اليوم بدوله ال27، لا تزال أقل تماسكا بكثير من مشاعر الانتماء الوطني. بل إن صعود اليمين المتطرف الذي يؤكد على السيادة وعلى الهوية الوطنية إنما كان بمثابة رد مباشر على مشروع تغليب الصيغة الأوروبية، وعلى العولمة نفسها. وضمن نفس النهج من التحليل يتم التأكيد على بروز مشاعر الانتماء القومي والاثني من جديد في جميع أنحاء العالم هي من نفس الطبيعة.
المؤلفة في سطور
حصلت مابيل بيرزن، مؤلفة هذا الكتاب، على شهادة الدكتوراه بعلم الاجتماع من جامعة هارفارد، وتعمل أستاذة لهذه المادة في جامعة كورنيل. يتمثل ميدان اهتمامها الرئيسي في التداخل بين السياسة والثقافة في التاريخ الأوروبي بصورة خاصة. من مؤلفاتها: «صناعة الفاشية، الثقافة السياسية في إيطاليا خلال فترة ما بين الحربين العالميتين» و«الثقافة الديمقراطية» و«أوروبا بدون حدود»... الخ.
الكتاب: سياسات غير ليبرالية في الأزمنة الليبرالية الجديدة
تأليف: مابيل بيرزن
الناشر: جامعة كامبردج 2009
الصفحات: 324 صفحة
القطع: المتوسط
Illiberal politics in neoliberal times
Mabel Perezin
Cambridge University
Cambr

