ربما نسي الكثيرون أن الروائي الأميركي ريتشارد روسو الفائز بجائزة بوليتزر كان واحداً من الروائيين الأميركيين الذين انخرطوا قبل ثلاثة عقود من الزمن في إطار الحركة الأدبية الشهيرة التي حملت الاسم الدال «الواقعية القذرة»، ربما لأن هذا الاسم لم يتم تبنيه نقدياً ولأن الكثيرين من كتّاب هذه الحركة لم يعودوا في صفوفها إما لرحيلهم عن عالمنا، أو لارتيادهم أفقاً مختلفاً عن ذلك الذي شقت الحركة طريقها تحته.
غير أن من المدهش أن روسو نفسه هو الذي يعود إلى تذكيرنا بانتمائه القديم إلى الواقعية القذرة، حتى وإن كانت هذه العودة تتم في إهاب مختلف.في روايته السابقة ينطلق بنا روسو لتعميق أسرار الزواج وغير من الصلات الأخرى التي تربط البشر، كصلات الآباء بأبنائهم والصلات التي تتوجها المصاهرة ووعود الشباب ومدى تحققها وما تصل إليه حياة تبدو لنا وقد تحققت إلى حد الكمال لكنها في مدى عام واحد تفصح عن كل ما يبدو لنا على السطح.نحن على موعد مع الأكاديمي وكاتب السيناريو السابق جريفين الذي يلفت نظرنا بشدة إلى أنه ينطلق بسيارته وقد ضمت حقيبتها جرة تحوي رماد أبيه، كأنما في إشارة بليغة إلى الماضي الذي يثقل على كاهل الحاضر على نحو لا فكاك منه، وفي غضون ذلك تواصل أمه، المفعمة بالحياة الاتصال به عبر هاتفه النقال، فيما هو منطلق إلى كيب كود، حيث سيحتفل مع زوجته جوي بزفاف الصديقة المفضلة لابنتهما لورا.
وبالنسبة لجريفين فإن هذا يشبه الانطلاق إلى رحاب الماضي، حيث انه كان يقضي عطلاته الصيفية في هذه المنطقة التي كان أبواه يرتاحان فيها من عملهما في الغرب الأوسط الذي كانا ينظران إليه بحسبانه مكاناً مقيتاً.
وكيب كود هو المكان الذي مضى إليه مع زوجته جوي لقضاء شهر عسلهما، الذي رسما خلاله خطبة حياتهما معاً التي امتدت الآن إلى خمسة وثلاثين عاماً وأفلحا خلالها في تحقيق كل ما تمنياه على وجه التقريب.
لقد ترك جريفين وراءه عالم لوس أنجليس وكتابة السيناريو ليعيش حياة كلية نيو إنجلاند التي طالما حلم بها أبواه عبثاً.
ولكن في عطلة نهاية أسبوع جميلة، يبدو أن الماضي قد اكتسح الحاجز أمامه تماماً وأن المستقبل يتعرض للخطر أيضاً.
بعد عام من تلك الرحلة، يجد جريفين نفسه حيال حفل زفاف أكثر أهمية بكثير، هو حفل زفاف ابنته لورا، على ساحل مين، وينطلق جريفين بسيارته ولكن حقيبته هذه المرة تضم جرتين تحتويان رماد أبيه وأمه، ويجد نفسه مثقلاً بأقارب جوي الكثيرين، كما يجد نفسه وزوجته وقد تواعد كل منهما مع رفيق عاطفي من خارج الزواج، ليثور سؤال قاطع: كيف أمكن أن يحدث هذا في زيجة يفترض أنها مكللة تماماً بنجاح مثالي؟
هكذا تبدو لنا رواية «سحر الرأس البحري القديم ذاك» عملاً حافلاً بالاستبطان وبالتأمل في كل المشاعر العائلية التي يمكن تصورها، حيث يواجه جريفين الذي يخوض مسيرة منتصف العمر أبويه وزواجهما الفاشل وزواجه الذي تهب عليه الأعاصير وحياة ابنته الجديدة وما ظن أنه يريده وما أراده بالفعل.
يبدو لنا السرد، على امتداد الرواية، متدفقاً، خالياً من العيوب على وجه التقريب، ويجتاز لحظات حافلة بالكوميديا العظيمة ولحظات أخرى حافلة بالحزن الذي يخلع الفؤاد من موضعه.
ويصل بنا السرد إلى نهاية مدهشة ومختلفة تمام الاختلاف عن كل ما سبق أن كتبه ريتشارد روسو، وتردد بصفة خاصة أصداء إبداع كتّاب الواقعية القذرة الذين يركزون لا على نهاية طريق الحياة الأميركية، وإنما على ما يجري في المحطات المتناثرة على امتداد هذا الطريق.
وعلى امتداد هذه المحطات، نحن على موعد مع ما يقدمه لنا روسو من حس فكاهي حاد وانعطافات حادة وخشنة في غمار متابعة ملامح من الضعف الإنساني وأيضاً القدرة على الصمود في مواجهة المحن والتحديات.
وعلى الرغم مما قد يحس به بعض القراء من انزعاج حيال تعقيد حبكة الرواية، إلا أننا نجد أنفسنا دائماً أمام العائلة كموضوع لها لا يغيب عن المؤلف ولا عن عيوننا جنباً إلى جنب مع العلاقة الفريدة التي تربط الإنسان، ممثلاً في حشد كبير من الشخصيات، والمكان.
وقد توقف العديد من النقاد والكتّاب عند جوانب شتى في هذه الرواية الفريدة حقاً.
ها هو كريستوفر بوريلي يقول في «شيكاغو تربيون» عن هذه الرواية إنها: «لوحة مؤثرة تصور أناساً لماحين ينطلقون في مسيرتهم بلا توقف».
وتشير بيتسي ويلفورد على صفحات «ميامي هيرالد» إلى أننا: «عندما ننتهي من قراءة (سحر الرأس البحري القديم ذاك» فإننا نعرف أننا سرعان ما نبدأ في إعادة قراءتها، وأن الشخصيات سترد على ذهننا في أكثر الأوقات استعصاء على التنبؤ بها، وإننا سنعود إلى قراءتها أكثر مما سنعود إلى الاتصال ببعض أقاربنا».وتقول روزماري هربرت في «بانجور ديلي نيوز» عن الرواية إنها «وصفة لوضع بعض الأشباح في مرقدها الأخيرة وحكاية عن الحب غير المتبادل والحب المتبادل. وأخيراً فإنها كتاب كبير القلب يدور حول علاقات حقيقية ومعقدة تشكل نسيجاً فاتناً لا يمكن إلا أن يجتذب القراء».
ويعرب أندرو أبراهامز في مجلة «بيبول» عن اعتقاده بأن: «هذه الرواية هي أكثر روايات روسو حميمية حتى الآن، ولوحة مدهشة لزواج دام ثلاثين عاماً بكل وعوده وآلامه».
وتقول بام هيوستون في مقالة بمجلة «أو» عن هذه الرواية: «في إحدى أكثر الأماكن في أميركا اتساماً بالطابع الأسطوري يقدم روسو الخطوات الأولى المهتزة لرجل في غمار خروجه من رحاب ماضيه إلى معرفته بنفسه بمرح وسماحة وقلب مفتوح».
أياً كان الأمر، فإننا نظل أمام رواية مثيرة للفضول، تذكرنا بالحقيقة البسيطة والمحزنة، وهي أنه من الحشد الهائل من الأعمال التي قدمها الكتّاب المنتمون إلى تيار الواقعية القذرة في الأدب الأميركي لم يترجم إلى اللغة الغربية إلا روايتان لا غيرهما، هما «حياة وحشية» و«عاشق النساء» وكلاهما للروائي ريتشارد فورد، الذي عندما زار عالمنا العربي مرة وحيدة منذ سنوات للمشاركة في ندوة عن الرواية التاريخية لم يعرفه أحد، ولم يتذكر أحد أن له عملين مترجمين إلى لغة الضاد.
الكتاب: سحر الرأس البحري القديم ذاك
تأليف: ريتشارد روسو
الناشر: نوف نيويورك 2009
الصفحات: 272 صفحة
القطع: المتوسط
The Old Cape Magic
Richard Russo
Knopf, N.Y. 2009
222.P

