يعتبر كتاب « الامن الغذائي العربي » لمؤلفه سالم توفيق النجفي أن مسارات الأمن الغذائي، في معظم بلدان العالم في مطلع الألفية الثالثة، ارتبطت بمسارات «العولمة» وتأثيراتها، خاصة في تلك الجوانب المتعلقة بسياسات «إدارة الطلب» المؤثر في القدرة الشرائية للأفراد ذوي الدخل المنخفض، وخصوصاً أولئك الذين هم تحت «خط الفقر».
فيما ترتبط متضمنات العولمة بحرية التجارة الخارجية، والسمات الليبرالية لأسواق المال، وكذلك الانفتاح الاقتصادي على الأسواق العالمية.ومن الصعب فهم إشكالية الأمن الغذائي دون التعرف على آليات تحليل مسألة العجز الغذائي، والآثار التي يمكن أن تولدها سياسات الدعم، حيث يتم معالجة جزء من العجز عن طريق الواردات الغذائية في المدى القصير، إذ تفرض أجواء الليبرالية الجديدة تحرير الأسعار، وهو ما يقود على ارتفاعها، ويترتب على هذا الارتفاع تزايد العجز الغذائي بين أفراد المجتمع، وغالباً ما يكون وضع منحنى المتطلبات الغذائية على يمين منحنى العرض والطلب للسلع المذكورة، وتتحدد الأسعار من خلال تفاعل قوى العرض والطلب في سوق الغذاء، ولكن يبقى منحنى المتطلبات من الغذاء على يمين مقدرة الدولة الاستيرادية تقرب الأوضاع الاقتصادية من حالة الأمن الغذائي.
ويطالب النجفي السياسات الاقتصادية العربية اعتماد برامج وقائية للأمن الغذائي في مواجهة التغيرات المحتملة من جراء تحرير التجارة الزراعية، حيث يمكن حصر فاعلية تلك السياسات في مستويين، الأول تفعيل السياسات الاقتصادية القطرية، خاصة فيما يخص دور الدول في المساهمة في هذا المجال، والثاني، اعتماد نمط من الأسعار الكلية تتلاءم وتحفز الاستثمار الأجنبي المباشر، فضلاً عن تحديد دور الدولة الساعي إلى خلق البنية التي تتيح للأفراد حوافز كافية للعمل على تنامي مقدرتهم الاستثمارية في أنشطة القطاع الخاص.
وكذلك اعتماد سياسات قومية تسعى إلى خلق تكتلات اقتصادية زراعية على الصعيد الإقليمي، لما لهذه التكتلات من مزايا تعمل على تقليص الآثار غير المرغوب فيها في مجال إنتاج الغذاء، والتي يمكن أن تحدثها محددات اقتصادية قطرية، وذلك من خلال تقييدها لحركة الموارد الزراعية في إطار تكلفة فرصتها البديلة على الصعيد الإقليمي.
ويعتبر المؤلف أن أحد أهم أسباب النقص والعجز الغذائي لدى بعض أفراد المجتمع هو ارتفاع أهمية الفقر النسبية، والتباين الواسع في توزيع الدخل، حيث يرتبط الأخير بنسق السلوك الأخلاقي الذي يعد جزءاً من الحقيقة الاقتصادية-الاجتماعية، والمعتمدة على متضمنات أيديولوجية، الأمر الذي يتطلب سيادة «تكافؤ الظروف» التي يعد أحد معطياتها «تكافؤ الفرص» لا توزيعها.
وتشير الحقائق التجريبية إلى أن فجوة اللامساواة في توزيع الدخل على الصعيد العالمي قد اتسعت في نهاية القرن العشرين(1999)، مقارنة بنظيرتها منذ نصف قرن مضى (1949)، الأمر الذي يعكس آثاراً غير مرغوب فيها بالنسبة إلى حال الأمن الغذائي في البلدان النامية والأقل نمواً، وربما يعطي ذلك دلالات نحو تراجع السياسات الاقتصادية الموجهة نحو العدالة والرفاهية الاجتماعية خلال النصف الثاني من القرن الماضي.
ويؤكد سالم توفيق النجفي بأن إستراتيجية الأمن الغذائي تتطلب الاهتمام بتفعيل مزايا التجارة الخارجية من خلال تقليص القيود والمحددات التي تعيق حركة الصادرات والواردات، ومراعاة التطورات الاقتصادية الدولية، ومحاولة التكيف معها في حدود عدم الإضرار بتدفقات الغذاء محلياً أو عالمياً.
ويشير إلى أن اعتماد هذه الحزمة من الإجراءات الإصلاحية يمكن أن يسهم في معالجة الأمن الغذائي العربي، وخفض الأهمية النسبية للفقر في البلدان العربية، وحصر حالات الجوع في نظيرتها من البلدان العربية المنخفضة الدخل.
المؤلف في سطور
الدكتور سالم توفيق النجفي، أكاديمي وخبير اقتصادي عراقي، أستاذ الاقتصاد الزراعي والفلسفة الاقتصادية في جامعة الموصل. صدر له العديد من المؤلفات والدراسات، منها: «التنمية الاقتصادية الزراعية، العراق، 1984»، و«مقدمة في اقتصاد التنمية، 1988»، و» التخطيط الزراعي - تخطيط التنمية والسياسة الزراعية، 1989»، و«إشكالية الزراعة العربية رؤية: اقتصادية معاصرة، 1993»، و«الرأسمالية، الاقتصاد الدولي، السوق العربية المشتركة، 2005»، و«السياسات الاقتصادية الكلية والفقر مع إشارة خاصة إلى الوطن العربي، 2008».
الكتاب: الأمن الغذائي العربي (مقاربات إلى صناعة الجوع)
تأليف: د. سالم توفيق النجفي
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2009
الصفحات: 280 صفحة
القطع : الكبير
عمر كوش

