يجسد حسام عبد المعطي في كتابه « العائلة والثورة » انفتاح الحدود وحرية الانتقال بين الدول العربية في العصر العثماني، وبالتحديد عن المغاربة في مصر والعلاقات بين مصر والمغرب في العصر العثماني. فقد مثَّل المغاربة الذين عاشوا في مصر ثقلاً كبيرًا وقاعدة للتبادل الاقتصادي والاجتماعي.
وكان الحج وموقع مصر الفريد في المنطقة العربية من العوامل الأساسية وراء هذا الوجود المغربي الكبير أيضًا، وقد استأثرت مدينة القاهرة بوصفها حاضرة الولاية المصرية بالنسبة الأكبر من المغاربة الذين أقاموا بجميع أحيائها وانتشروا بين أخطاطها ودروبها،كما احتفظت الإسكندرية بنصيب وافر من المغاربة بوصفها بوابة مصر الغربية،كما أشارت المصادر إلى أن المغاربة قد انتشروا في أغلب مدن مصر وقراها.ويبدو جليًّا أن التجار المغاربة أجادوا في أساليبهم التجارية لتكوين الثروات، فركزوا نشاطهم على التجارة الدولية العابرة، وقد كانت أكثر أدوات التجارة المصرية إدرارًا للربح، فعندما انتعشت تجارة التوابل أسرعوا إلى العمل بها، وعندما حل البن محل التوابل كانوا من أول العناصر الفاعلة في تجارته، كما سيطروا على تجارة الأقمشة الهندية القطنية التي كانت محل طلب واسع في السوق العثمانية والمغربية والأوروبية.
فكان نتاج ذلك تكوينهم لثروات كبيرة سمحت لهم بامتلاك السفن التجارية الضخمة في البحرين الأحمر والمتوسط،كما قدموا القروض إلى كل الطالبين بالفوائد ودخلوا إلى حيازة الالتزامات الزراعية التي كانت واحدة من أهم أدوات تكوين الثروات في مصر.
استطاع التجار المغاربة استيعاب السلطة السياسية وكونوا معها قواسم وتحالف من التعاون المشترك كانت تصب جميعها في خدمة مصالحهم، فاستوعبوا الأوجاقات العسكرية وعملوا في خدمة الأمراء المماليك، وهو ما يؤكد نتيجة مفادها أن الإثراء التجاري إبان هذه الفترة ارتبط إلى حد كبير بالمصالح السياسية والأوساط التجارية وهو ما استوعبه التجار المغاربة جيدًا ومن ثم استطاعوا الوصول إلى الهرم التجاري المصري، فتولى العديد منهم منصب شاهبندر ورئاسة الأسواق التجارية المصرية الكبيرة مثل الغورية وطولون وغيرها.
ظلت المشكلة الأساسية لهذه الشركات والمؤسسات الرأسمالية، والتي تمثلت في كيفية الحفاظ على مبدأ توارث الإدارة ورأس مال هذه الشركات الكبيرة للجيل التالي من أبناء العائلة، فقد كانت هناك مشكلات عديدة تواجه استمرار تراكم رأس المال في هذه النخبة وهي:
أولاً: إنجاب رأس العائلة لأبناء ذكور، فقد كانت عملية الإنجاب مهمة للغاية في استمرار العائلة.
ثانيًا: وفاة التجار في سن مبكرة بينما يكون أولاده قاصرين، فالتجار الذين يرزقون بأبناء من الذكور في وقت مبكر يعمل على تدريب أولاده أسرار المهنة، وثالثًا: الاهتزازات الاقتصادية الفظيعة التي كانت تواكب بداية كل ازدهار أو تراجع اقتصادي لسلعة ما، وأخيرا ابتزازات السلطة المملوكة الواسعة للتجارة.
دراسة ومقارنة أسماء العائلات التجارية الكبرى على مدار الفترات التاريخية توضح بصورة كبيرة اختلافًا كبيرًا في أسماء العائلات التجارية الكبرى في فترة تاريخية، مما يجسد حقيقة مفادها أن لكل فترة كبار تجارها ورأسماليوها، وأن الرأسمالية في مصر لم تكن ثابتة الوجود بل كانت متغيرة، مما كان يعوق تطوير مؤسساتها بصورة كافية.
بالرغم من ذلك فقد أصبحت الفوضى السياسية والاقتصادية التي تعانيها مصر في ظل نظام فوضوي كان يلح بضرورة التغيير جذريًا إن عاجلاً أو آجلاً كضرورة للتطوير الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، فلم يكن محمد علي باشا إلا إفرازا للتغيير ونتاجًا لهذه الأزمات المزمنة التي كانت تعيشها مصر في نهاية القرن الثامن عشر.
وما لبث أن أمتصهم وصهرهم في بوتقته كجزء لا يتجزأ منه، بيد أن تأثير المغاربة كان واضحًا في الكثير من القيم والعادات التي أفرزوها داخل بنيان المجتمع المصري، لكنهم مارسوا حياتهم اليومية في شتى جوانبها داخل إطار الحياة العامة للمجتمع المصري، ولم يشذوا يومًا عن البناء الاجتماعي منذ هجرتهم، حيث ساعدت وحدة اللغة والدين والثقافة على سهولة امتصاصهم داخل بنيان المجتمع، وإن ظلت لهم شخصيتهم المميزة وحضورهم المادي الملموس لفترة طويلة.
المؤلف في سطور
حسام محمد عبد المعطي أكاديمي مصري، مدرس بقسم التاريخ كلية الآداب- جامعة بني سويف. المؤهلات الدراسية. درجة الليسانس، كلية الآداب ـ جامعة المنصورة، 1993 والماجستير، كلية الآداب ـ جامعة المنصورة، 1998 والدكتوراه، كلية الآداب ـ جامعة المنصورة، 2002.
الكتاب: العائلة والثورة
تأليف: د. حسام محمد عبد المعطي
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2009
الصفحات : 419 صفحة
القطع: الكبير
خالد عزب

