أجرى موقع «راندوم هاوس» الثقافي المتخصص في عروض الكتب هذه المقابلة مع الروائي الأميركي الفائز بجائزة بوليتزر ريتشارد روسو، مع صدور روايته السابعة «سحر الرأس البحري القديم ذاك»، حيث ألقى الضوء على جماليات المكان في روايته الجديدة، وأشار بصفة خاصة إلى أنها بمثابة محاولة دائبة لرصد سعادة تحلق دوماً في الأفق، فلا هي تحتجب ولا هي يتاح لمن يطاردها أن يصل إليها، وأشار إلى أن الرواية، بالنسبة له، تتيح مجالاً فسيحاً للمقارنة بين أشكال الجنون. وفيما يلي نص الحوار:
منى مدكور
فيما يبدو هناك ظاهرة حفلات زفاف وصفتها بأنها «المائدة 17». ما هي هذه الظاهرة على وجه الدقة وكيف ترتبط برواية «سحر الرأس البحري القديم ذاك»؟
قبل سنوات قلائل دعيت أنا وزوجتي لحضور حفل زفاف وتم إجلاسنا إلى مائدة بدا من الواضح أنها وضعت عليها بقايا طعام. والمائدة رقم 17 نجحت من حيث الموضوع في الرواية، لأن وجود الشخصية الرئيسية وسط أغراب وعدم التأكد من الانتماء إلى المكان الذي يوجد فيه قد يكون مستقبله إذا لم يكن بوسعه التوصل إلى طريق لإبطاء ترديه السريع.
سبق لك القول إن رواية «سحر الرأس البحري القديم ذاك» قد بدأت كقصة قصيرة. ما هي اللحظة التي عرفت فيها أنها تصرخ مطالبة بأن تصبح رواية؟
يبدأ جريفين، شخصيتي الرئيسية، القصة وهو في طريقه لحضور حفل زفاف مع وجود جرة لحفظ رماد أبيه في حقيبة سيارته. وقد قمت بالتخطيط لقيامه بنثر هذا الرماد (ماضيه) وتعريض مستقبله للخطر في حفل الزفاف (حاضره) ثم الابتعاد عن الكارثة في اللحظة الأخيرة. ولكنه أوقف سيارته على جانب الطريق ليتلقى اتصالاً هاتفياً على هاتفه النقال من أمه، وفي نهاية هذا الاتصال يسقط عليه براز نورس.
وفي تلك اللحظة، ويرجع ذلك بصورة جزئية إلى أن جريفين يلقي اللوم على كاهل أمه، أصابني أنا وهو معاً شعور بأننا نغوص هابطين. ويمكنك أن تحسم القضايا الموضوعية المتعلقة بالماضي والحاضر والمستقبل في قصة مؤلفة من عشرين صفحة، ولكنك إذا سمحت لنورس يمارس التبرز بدخول هذه القصة، فإنك تكون قد انتقلت فجأة إلى شيء أكبر كثيراً.
لماذا اخترت منطقة الرأس البحري؟
لبعض الوقت واتتني فكرة «مكان أكثر روعة». وما عليك إلا أن تعود إلى لوس لينش وبوبي ماركوني في رواية «جسر التنهدات»، وأنا أتحدث عن كل من الخيال الروائي والحياة الواقعية. لماذا يعتقد الناس أن السعادة ستجد طريقها إليك في مكان بعينه وليس في مكان آخر؟ إن لهذا صلة بما يمكنك أو لا يمكنك أن تبذله وما تعتقد أنه سيكون بمقدورك أن تصل إليه إذا سارت الأمور على ما يرام، غير أنه حتى عندما تسير الأمور على ما يرام، فإنك تكتشف أنه لا يزال الوصول إليها بعيداً عن منالك، الأمر الذي يضفي طابعاً سحرياً على المكان المرغوب فيه، وكلما أسرعت بالركض إليه أسرع بالابتعاد عنك.
وقد اخترت الرأس البحري (كيب كود) لأنه كان دائماً مكاناً باهظ التكلفة، ويواصل الارتفاع بتكلفته، ولكنه كان يمكن أن يكون أي عدد من الأماكن المماثلة. وبالنسبة لوالدي جريفين، وهما اثنان من العاملين في الحياة الأكاديمية، فإن الحصول على منزل مطل على الرأس البحري سيظل على الدوام شيئاً بعيداً عن مطالبهما. ومن بين هداياهما الملتبسة جينياً لجريفين الاحساس بأن السعادة تحلق دوماً في الأفق، وليس حيث تقف أبداً، وهو شيء أعتقد أنه أميركي للغاية.
روايتك السابعة كتاب ينتهي بحفلي زفاف ويصبح قصة زواج جريفين وكذلك زواج أبويه وزواج ابنته الوشيك هل هناك شحنة مرتبطة بحفل الزفاف تطلق الماضي من عقاله وتهدد المستقبل بطريقة تختلف عن أي أحداث أخرى؟ وبتعبير آخر ما الذي كنت تقصده في تأطير روايتك بحفلي زفاف؟
ربما لن يدهش القراء أن يكتشفوا أن ابنتي تم تزويجهما خلال الوقت الذي كنت أقوم أثناءه بتأليف هذا الكتاب، الذي إن نجح فسوف يسدد تكاليف الاحتفال بزفافهما، فإحداهما تم تزويجها في لندن، وهو ما سهل الأمور بالنسبة لي ولزوجتي باستثناء ما يتعلق بالتكاليف، فحيث اننا نقيم في الولايات المتحدة.
إلى أي مدى يمكن أن يوجه إلينا اللوم على الأمور التي لم تكلل بالتوفيق على كل هذه المسافة بعيداً عن الوطن؟
وابنتنا الأخرى تم تزويجها في مدينة مين الساحلية التي نقيم بها، وبالتالي فقد كان حفل زفافها أكبر وأوسع نطاقاً. وقد خشيت أنا وزوجتي على عائلتينا اللتين لم تكن إحداهما تعرف الأخرى إلى حد كبير وتقيمان في أطراف متباعدة من البلاد، دع جانباً الانتماء إلى أطراف متباعدة من البندول السياسي، وخشينا بصفة أساسية على عائلة العريس، بل وعلى المدينة، حيث اننا كنا نأمل أن نواصل الإقامة فيها.
وفي حفل الزفاف الثاني في الرواية تخيلت حفل زفاف كارثي بصورة مطلقة، على أمل أن يلعب دور التعويذة بالنسبة لكارثة في الحياة الواقعية، وهو الدور الذي يبدو أنه قد لعبه بالفعل.
ومن شأن التخطيط لحفلات زفاف أبنائك أن يدفعك إلى العودة بذاكرتك إلى حفل زفافك واستدعاء المقارنات الحتمية. وقد كنت أنا وزوجتي طالبين جامعيين فقيرين عندما تزوجنا في توكسون، ولم يكن أبوانا ميسورين إلا بصورة هامشية فحسب. وكان شهر عسلنا أربعة أيام أمضيناها في المكسيك. وكنا قد حجزنا مكانين في العربات ذات الأسرة بالقطار .
ولكننا كنا شابين، وكان الطعام والشراب جيدين، وأحضرنا معنا الكثير من الكتب، وتحدثنا عن مستقبلنا ومن الذي سيكون في ذلك المستقبل، وبسرعة بالغة أصبح عمر زواجنا خمسة وثلاثين عاماً. وذلك على وجه التقريب هو عمر زواج آل جريفين في روايتي السابعة.
والدا جريفين، وكلاهما أكاديمي محتجز فيما يصفانه بالغرب الأوسط اللعين، هما شخصيتان مدهشتان، وتدفعان للجنون في بعض الأحيان، ومثيرتان للذهول دوماً. وقد وظفت المخزون الساخر الكامن في الحياة الأكاديمية من قبل وبصفة خاصة في رواية «الرجل القويم» هل شعرت بالحنين إلى العودة إلى هذا المجال؟
لقد ظننت أنني استخرجت كل ما في الحياة الأكاديمية من سخرية في تلك الرواية، ولكن هذا لم يحدث فيما يبدو. ومنذ تأليفي تلك الرواية دخلت عالماً آخر، هو عالم صناعة الأفلام، وفي روايتي السابعة، ولأن جريفين كاتب سيناريو سابق تعين عليَّ المقارنة بين ألوان الجنون في هذين العالمين. وبالطبع لم تكن هذه مقارنة منصفة، فالأكاديميون أثقل عياراً في هذا الصدد.
في مستهل الرواية، نجد أن جريفين هو رجل في منتصف الخمسينات من عمره ويبدو أن كل شيء يواتيه، حيث يعيش زواجاً ناجحاً، وله ابنة رائعة، وتحققت الحياة المهنية التي تطلع إليها، وبصفة أساسية فقد حقق كل ما كان مدرجاً على قائمة أمنياته وهو في صدر العمر، ثم في غضون عام واحد نراه يراقب كل ذلك وهو يتفكك.
أليس مدهشاً مدى السرعة التي يمكن بها حدوث ذلك؟
هذا وجه آخر للشبه بين روايتي السابعة وبين رواية «الرجل القويم»، ففي الروايتين تتابع الرجال المنعمين في الحياة، ولكن هذه الحياة لا يقدر لها الاكتمال قط.
المؤلف في سطور
ولد الروائي الأميركي ريتشارد روسو في 15 يوليو 1949 في جونز تاون بشمالي ولاية نيويورك، وحصل على درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في الأدب من جامعة أريزونا خلال دراسته بها التي امتدت من عام 1967 إلى 1979، وعمل بتدريس اللغة الإنجليزية في جامعة ساذرن إلينوي. وأصدر سبع روايات أولها «ما هوك» وأحدثها «سحر الرأس البحري القديم ذاك»، وأصدر مجموعة قصصية واحدة بالإضافة إلى العديد من سيناريوهات الأفلام.
