احتلت فنون الشرق الأوسط المعاصرة مكانة بارزة في عالم الفن في السنوات الأخيرة. وبينما تركز اهتمام خبراء الفن على الوسائل والتجارب التي اختارها الفنانون من عرب وإيرانيين وأتراك في ترجمة إبداعاتهم ومن ضمنها فن الحروفيات، وجد مقتنو اللوحات والمستثمرون حقلا جديدا ومنعشا لإغناء مجموعتهم الفنية بأعمال لها خصوصيتها في الموضوع والأسلوب.
انعكست هذه الحركة الفنية على المنطقة بصورة إيجابية، وقفز عدد الغاليريات من رقم يعد على إصبع اليد الواحدة في كل بلد، إلى أرقام تعد قياسية مقارنة بالمدة الزمنية. وبات للفنان حضور ومكانة بارزة في مجتمعه، مما ساهم في تفعيل حركة الفن وبالتالي ارتفاع أسعار لوحات الفنانين بما يكفل لهم حياة كريمة إن وافاهم الحظ ووصلت أعمالهم إلى صالات العرض.»مسارات« التقت بويليام لوري مدير مبيعات الفن المعاصر العالمي في دار كريستيز والمتخصص في الفنون الحديثة العربية والإيرانية والتركية، خلال مزاد الدار السابع الذي أقيم في دبي، بهدف التعرف على العوامل التي ساهمت في ازدهار الفن بالشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، والتعرف على كيفية اختيار الأعمال التي تشارك في مزادات كريستيز.
متى بدأ اهتمام الغرب بفنون الشرق الأوسط؟
الاهتمام بالفن الشرقي موجود منذ زمن بعيد، لكنه لم يتحول إلى ظاهرة عالمية إلا في السنوات الأخيرة، وبالتحديد مع المزاد الأول لكريستيز في دبي عام 2006. وأسباب ذلك عديدة منها أن البحث عن أعمال الفنانين كان يتطلب في الماضي السفر إلى كل بلد على حدا. أي من يرغب في اقتناء أعمال لفنانين سوريين عليه الذهاب إلى سوريا والفن الإيراني في إيران وكذلك الأمر مع مصر ولبنان وغيرها من البلدان العربية.
ومع مزاد كريستيز الأول والثاني في 2007 إلى جانب معرض (آرت دبي) بدأ الاهتمام بفنون الشرق الأوسط يتحول إلى ظاهرة عالمية، حيث أقبل مقتنو اللوحات من مختلف بلدان العالم للإطلاع على أعمال فنية جديدة في السوق، تتميز بمستوى فني عال سيما الفنانون من القرن العشرين، إلى جانب مقتني اللوحات في منطقة الخليج الذين يرغبون في اقتناء أعمال فنية من البلدان المجاورة.
جمعنا في البداية الفن الإيراني والعربي. وقوبلت هذه المبادرة بالكثير من الاستهجان والتشاؤم إلا أن المزادات أكدت نجاح الفكرة لنضم لها لاحقا الفن الهندي والباكستاني.
وما قامت به كريستيز ومعرض آرت دبي هو جمع أعمال أهم الفنانين تحت مظلة واحدة، وبذا أتيح لمقتني اللوحات رؤيتها جميعا.
أين كان اهتمام الغرب قبل التوجه إلى الشرق الأوسط؟
تحول اهتمام العالم قبلا إلى الفن الصيني في عام 2003 وحتى 2004، لينتقل بعدها إلى الفن الهندي عام 2004 وحتى 2005.
لم دخل الفن التركي إلى مزادات كريستيز في مرحلة لاحقة؟
كان علينا في البداية الانتظار حتى ازدهار حركة الفن في دبي وتدعيم مركزيتها كوسيط فعال لحركة الفن الشرق الأوسطية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى تفعيل جهودنا في تشجيع مقتني اللوحات الأتراك على اقتناء لوحات من الشرق الأوسط وبالعكس، وكان لما لمسناه في بينالي اسطنبول في شهر سبتمبر الماضي من رقم قياسي في عدد الزوار الخارجيين ومنهم مقتنين للوحات من الشرق الأوسط دافعا لتفعيل مشاركتهم في كريستيز والتي مضى عليها عامان فقط.
كيف تحصل كريستيز على الأعمال الفنية التي ستشارك في المزاد؟
تستلم كريستيز يوميا آلاف الرسائل الالكترونية والاتصالات من مقتني لوحات وغاليريات من مختلف بلدان العالم، لأن المزادات أفضل طريقة لبيع اللوحات بأسعار جيدة. ونحن نحصل على 5 إلى 10 % من أعمال هؤلاء المتصلين. ويتم اختيار اللوحات تبعا لطلبات المقتنين والتي تختلف من مزاد إلى آخر فنجد في المزادات السابقة أن النسبة الغالبة كانت لفنانين من القرن العشرين في حين غلب على المزاد السابع هذا العام الفن المعاصر الحديث، لنجد العديد من اللوحات التي رسمت في الألفية الثالثة.
ما هي مظاهر ازدهار الحركة الفنية في المنطقة العربية؟
الجانب الملموس بالإضافة إلى ارتفاع أسعار لوحات الفنانين العرب والإقبال على شرائها من مختلف بلدان العالم، هو ارتفاع معدل الحرفية والمهنية عند الغاليريات التي باتت تقدم خدمات متميزة على مستوى عالمي سواء على صعيد الترويج للفنان أو طباعة الكتب الفنية في كل من إيران وسوريا ومصر. ونتوقع في المستقبل القريب زيادة عدد الغاليريات التي ستتعاقد مع عدد من الفنانين لتروج لهم حصريا.
ما مدى موضوعية القول أن الفن الإيراني يتفوق على العربي كحضور ومبيعات في المنطقة؟
هناك الكثير من الفنانين الإيرانيين الكبار من القرن العشرين مثل حسين كاظمي ومسعود عربشاهي، وكذلك في الوطن العربي مثل أحمد مصطفى من مصر، وفاتح المدرس ولؤي كيالي من سوريا وغيرهم الكثير. يكمن الفارق أن سوق الفن الإيراني قوي في الخارج فقط، بينما الفن العربي قوي في المنطقة وخارجها.
مدى مصداقية القول أن كريستيز ترفع قيمة اللوحات في مزادات دبي مقارنة بمزاداتها في لندن.
أولا، كريتسيز لا تبيع في مزاداتها بلندن فنون الشرق الأوسط المعاصرة، كما أنها لا تبيع في دبي أعمال الفنانين الغربيين أو المستشرقين. واللوحات التي تباع في مزادات دبي تكون عادة نادرة ومن الصعب توفرها في الأسواق الخارجية، وعليه فمن الطبيعي أن تكون الأسعار مرتفعة.
ما هي الأعمال الفريدة في المزاد السابع والأخير لكريستيز؟
كلمة (فريدة) خطرة، ولا يمكن استخدامها في عالم الفن ببساطة، فهذه الكلمة تعني عملا وحيدا للفنان سواء في الموضوع أو في حياته. من الصعب التأكد إن كان ما نصنفه بالفريد هو العمل الوحيد، فما الضمان أن يظهر لاحقا عملا آخر للفنان نفسه! يمكننا القول أعمال نادرة مثل البورتريه الشخصي للفنان المصري محمود سعيد (1897 ـ 1964) التي رسمها عام 1931، ولوحة (الحروفيات التشكيلية للفنان التركي إيرول أكيافاس (1932 ـ 1999) التي رسمها في الخمسينات.
ما هي أهم نتائج مزادات كريستيز السبعة في دبي؟
شكل مزاد كريستيز الأول في دبي عام 2006 منعطفا تاريخيا في سوق الفن، ومنذ ذلك الحين ارتفعت قيمة لوحات الفنانين في الشرق الأوسط. وقد باعت كريستيز في مزادها في أبريل عام 2008 منحوتة في غاية الأهمية للفنان بارفيز تانافولي بمبلغ 8,2 مليون دولار أميركي، وفي المزاد الأخير سجلت اللوحة المزدوجة (الذكرى والعرفان) للفنان المصري أحمد مصطفى، رقما قياسيا جديدا فيما يتعلق بقيمة لوحات الفنانين العرب، حيث بيعت اللوحة بـ 500,662 دولار.
ويليام لوري في سطور
*مدير مبيعات الفن المعاصر العالمي في كريستيز
* درس ويليام لوري البريطاني الجنسية تاريخ الفن في جامعة إدنبرغ
* اختص في الفن الإسلامي وتخرج بالمرتبة الأولى بدرجة شرف
*زار في طفولته مصر وعاد إليها بعد تخرجه وعاشه فيها ودرس العربية وعمارة المدينة القديمة الإسلامية
* انضم إلى كريستيز عام 2004
* ساهم في تنظيم معارض مزادات كريستيز وافتتاح مكتبها في دبي عام 2005
* اكتشف مؤخرا نسخة من القرآن في منغوليا
مزادات كريستيز في دبي
تجاوزت مبيعات كريستيز للفن العربي والإيراني المعاصر والحديث في أول مزاد لها بدبي في مايو 2006 التوقعات، وبلغ إجمالي مبيعاتها 2,2 مليون دولار. في مزادها الثاني بعد مضي ثمانية أشهر في فبراير 2007، تجاوزت المبيعات 4 ملايين دولار. أما مبيعات مزاد شهر أكتوبر فقد تجاوزت 6 ,12 مليون دولار.
في المجموعة الرابعة من المزاد في أبريل 2008، تجاوزت المبيعات 18 مليون دولار وهي السابقة الأولى في تاريخ المزاد العالمي، حيث بلغت قيمة ثلاثة أعمال فنية مليون دولار. وفي المزاد الخامس في أكتوبر 2008 انضم الفن التركي للمرة الأولى إلى المجموعة. كما ضمت كريستيز ابتداء من عام 2008 إلى مزاداتها في لندن أعمالا عربية وإيرانية حديثة، ليصبح اسم المزاد لوحات المستشرقين والفن العربي والإيراني الحديث.
المتحف البريطاني
يقتني المتحف البريطاني في لندن منذ عام 1980 أعمالا فنية معاصرة من الشرق الأوسط ، ويضم المتحف لوحات لفنانين لا زالوا على قيد الحياة. وتقسم الأعمال في ذلك المتحف إلى أربع فئات. يندرج تحت الفئة الأولى النص العربي والإسلام، بينما تتمحور الفئة الثانية حول انطباعات ورسومات الفنان المرافقة للنصوص الأدبية، في حين تتمحور الفئة الثالثة حول تفكيك بنية النص العربي وتحويله إلى فن معاصر، أما الفئة الأخيرة فتشمل رؤية الفنان لهويته وتاريخه والسياسة.
رشا المالح

