إذا كانت السينما السوفييتية قد حققت اهتماماً دولياً في فترات مختلفة من تاريخها، فإن نجاح هذه السينما وشهرتها، قد تما على يد مؤسسة الإنتاج الضخمة (موسفيلم) التي تعد من أكبر المدن السينمائية في أوروبا وتشغل واحدة من أرقى وأغلى المناطق في العاصمة الروسية موسكو، والتي تأسست عام 1924 بعد دمج مؤسستين حكوميتين، وكان عرضها الافتتاحي فيلم (إلى الأعلى على الأجنحة) للمخرج بوريس فيخين، وتغير اسم هذه المؤسسة عدة مرات إلى أن ظهرت تسمية (موسفيلم) عام 1936.
عمل في هذه المؤسسة أسماء شهيرة في تاريخ السينما السوفييتية مثل آيزنشتين، بودوفكين، دوفجينكو، كالاتوزوف وكارين شاهنازاروف. لقد أنتجت (موسفيلم) أفلاماً بكلف زهيدة وفق المقاييس العالمية، مثل «الحرب والسلام» و«بوريس غودنوف» و«روسلان ولودميلا» و«ايفان فاسيليفيتش» و«آنا كارنينيا». أما ماركتها الشهيرة ـ نصب العامل والفلاحة ـ للنحاتة فيرموخينا فقد ظهر في فيلم (فيسنا) ـ الربيع ـ للمخرج الكسندروف عام 1947 وتضم هذه المؤسسة 14 جناحاً إضافة إلى ورشات عمل ومتاحف، ويعمل فيها أكثر من 1300 شخص، كما أن المؤسسة كانت تطبع وتنشر المجلة الشهيرة باسم (الفيلم السوفييتي) والتي كانت تترجم إلى الكثير من لغات العالم وتوزع فيها، ومنها العربية.
لينين والسينما السوفييتية حين كان فن السينما على مدى الخمس والعشرين سنة الأولى من مولده، قد حقق خطوات كبيرة في مختلف دول العالم، لم تكن السينما الروسية قد أسهمت بعد بأية خطوة فعالة في هذا المضمار. فقد تأخرت السينما الروسية عن الركب العالمي، إلى أن قامت ثورة أكتوبر الاشتراكية 1917 وبدأت تهتم بالفنون كي تعبر عن مضمونها الاشتراكي. وحظيت السينما بنصيب متميز من هذا الاهتمام يلخصه قول لينين الشهير: (السينما بالنسبة الينا هي الأهم من بين جميع الفنون). وقد أخرج ميخائيل روم فيلمين عن لينين «لينين في أكتوبر» و«لينين في 1918» وهما من أهم الأفلام التي صورت شخصية لينين، وقام بأداء دوره الممثل المبدع «شوكشين » وقد تميز عملا روم عن باقي الأفلام التي قدمت لينين في السينما . بالصورة الحية، والحالة الداخلية، والامتلاء الروحي.
في عام 1919 تم تأميم صناعة السينما، وهذا ما يؤكد على جدية قول لينين حول أهمية السينما بالنسبة للمرحلة السوفييتية. وللتعبير عن المضمون الاشتراكي الجديد، بحثت السينما، ووجدت أشكالاً جديدة ترجع جذورها إلى الثقافة القومية وإلى إبداع شعوب الاتحاد السوفييتي، وغدا من الواضح أن الأشكال القديمة لم تعد صالحة للتعبير عن الأفكار الجديدة والواقع الثوري الجديد.
فعندما بدأ المخرجون الروس الشبان العمل في السينما، وجدوا أنفسهم ينتمون لصناعة تخلو كلية من أية تقاليد قومية. كانت السينما الروسية قبل الثورة عبارة عن أفلام تجارية تنتج بسرعة ولا تتميز بشيء وتغلب عليها السطحية والتزييف.. وهذه كانت تخالف رغبة المخرجين الثوريين الذين اعتبروا أنفسهم أصحاب مبادئ للأفكار الجديدة التي تتناقض مع الترفيه العادي التقليدي. وبناء على ذلك كانت لهم مهمتان:
1 ـ استخدام الفيلم كوسيلة لتوجيه الجماهير وتثقيفها فيما يختص بتاريخ ونظريات الحركة السياسية.
2 ـ تدريب جيل جديد من السينمائيين لتحقيق هذه المهمة.
وبرغم تخلف هذه الأجهزة السينمائية وندرة الفيلم الخام وقتذاك بسبب سنوات الحرب الأهلية والثورة المضادة، إلا أن حماسة السينمائيين السوفييت قد جعلت من هذه النقيضة ميزة، فقد انطلق هؤلاء يدرسون ويجربون حتى استطاعوا في النهاية أن يشدوا انتباه العالم بنتائج دراساتهم وتجاربهم.
مجددون في السينم
جعلت الظروف التي ذكرناها المخرجين الشباب يبحثون عن أساليب جديدة في السينما للتعبير عن الأفكار في خدمة أهدافهم السياسية. فقد وضع الفنانون الروس مبادئ المونتاج، وكان «ليف كوليشوف» و«بودوفكين » و«سيرجي آيزنشتين » وقد قال بودفكين : «كوليشوف هو أول من علمني كلمة مونتاج» وهي الكلمة التي لعبت دوراً هاماً في تقدم الفن السينمائي.
وضع كوليشوف مبادئ نظرية السينما وأسلوب تعليمها، وذلك بخبرته وبحثه الإبداعي وتجاربه في مجال المونتاج وإعداد الممثل، وتنظيم الإنتاج السينمائي، بالإضافة إلى مقالاته النظرية حول خصائص الفن السينمائي.
وبفضل موهبته كمجرب، ومنظر، وعالم جمع حوله مجموعة كبيرة من الشباب المخرجين مثل (بودوفكين، ودوفجينكو، فوجيل، الكسندروف، خاخلوفا، دونسكوي، وكاماروف ...الخ) وقد بدأ هؤلاء القيام بأبحاث طويلة عن الأفلام القديمة، وأبدوا اهتماماً خاصاً بما حققه «غريفث» وخاصة في فيلمه التعصب.
وكانت آراء النقاد قد اتفقت كذلك قبل عشر سنوات تحديداً في عام 1948 على وضع «المدرعة بوتمكين» على رأس قائمة أفضل عشرة أفلام أنتجتها السينما حتى ذلك التاريخ. والجدير بالذكر أن أول أفلام آيزنشتاين هو «يوميات غولمب» 1923 وهو فيلم هزلي قصير. ولكنه حقق نجاحاً كبيراً من خلال أول فيلم روائي طويل له بعنوان «اضراب «عام 1925.
وفي عام 1941 كلف آيزنشتين بإخراج ملحمة تاريخية من ثلاثة أجزاء وهي «ايفان الرهيب» عن القيصر الروسي ايفان الرابع ومن المخرجين البارزين أيضاً في هذه الحقبة فيسفولد بودفكين في فيلمه «الأم «1926 كما أخرج بودفكين عام 1930 فيلم «السيرك». وكان واحداً من أكثر الأفلام شعبية في الاتحاد السوفييتي.
السينما السوفييتية ـ بعد الحرب العالمية الثانية
بعد الانتهاء من الحرب العالمية الثانية، ظهر أول فيلم ملون سوفييتي عام 1947 بعنوان «الزهور الحجرية»، وكذلك فيلم «قصة من سيبيريا»، وفيلم «كوبان القوزاقي» 1949.
في الفترة بين 1950 حتى 1960 كان هناك جمود للسينما السوفييتية بسبب الرقابة المتشددة. في عام 1961 حصل فيلم «قصة الجندي» على جائزة (بافتا) كأفضل فيلم للمخرج «أندريه روبلوف» كما أخرج أندريه عام 1970 فيلم «شمس الصحراء البيضاء في» إحدى المقابلات التي أجرتها جريدة «الثقافة السوفييتية» في عام 1962، قال المخرج ميخائيل روم :(في النصف الثاني من الخمسينات ظهر عدد من المخرجين الذين استطاعوا توحيد تقاليد سينما الثلاثينيات مع الأوضاع والظروف الجديدة أمثال : جوغراي، كوليجانوف، شفيستر، ألوف، ونوموف .
هؤلاء الشباب استوعبوا الظروف الجديدة في السينما العالمية بشكل جيد، وبفهم مبدئي لجماليات السينما العالمية، وفي السنوات الأخيرة تألق فيلمان هما «الطلقة 41» لجو غراي، وفيلم «طفولة ايفان» لتاركوفسكي «إن أهمية هذه الملاحظة لا تكمن بأنها صدرت من واحد من كبار المخرجين فقط وإنما لكونها صدرت من أهم المنظرين في تاريخ السينما السوفييتية.
فمنذ آيزنشين عبقري السينما الروسية والعالمية، لم تجد السينما السوفييتية فناناً اهتم بالأسلوب التعبيري، وبمشاكل البحث الفني والتجريبي مثل تاركوفسكي.
فمنذ أفلامه الأولى فإن عناصر حياة الطبيعة من مطر، أنهار، أشجار، أجساد فتية، جياد أصيلة، طفولة، رعد وبرق، فإنها تشكل الأساس في أفلامه «طفولة ايفان» أندريه روبلوف «المرآة» وحتى «سولارس» ومنذ فيلمه «ستالكر»، الذي هو آخر أفلامه في الاتحاد السوفييتي، مروراً بفيلمه «نوستاليجيا- الحنين» و«القربان أو التضحية» الذين أخرجهما في المنفى، يبدأ في تجسيد وعي الموت، من خلال موت الطبيعة، فهو لا يتخلى عنها وإنما يستكشفها، ويغور في أعماقها، لذا فإن وعيه للموت انعكس على علاقته بالطبيعة، أما المخرج كوزنتسيف الذي تميز بإخراجه لأعمال شكسبير.
فقد أصبح فيلم هاملت الذي أخرجه عام 1964 نموذجاً يدرّس في المعاهد السينمائية والمسرحية في العالم وخاصة أداء بطله «سموكتو نيفسكي» الذي مثل هاملت بطريقة تميز بها عن كل من قام بأداء هذه الشخصية من قبل وفي «الملك لير» عام 1971 قدم كوزنتسيف فيلم الملك لير بلغة تعبيرية مؤثرة فبقي في ذاكرة كل من شاهده في العالم .
يقول الناقد فاسيلي كاتنيان عن سيرغي باراجانوف : «إن نبوغه المدهش والفريد من نوعه، كان عائقاً ولفترة طويلة حتى لمعاصريه في تقدير القيمة الفنية لأعماله . كما أن الحيوية الفائقة لهذا الإنسان الذي امتلك القدرة على أن يكون وفي الحيوية الفائقة لهذا الإنسان الذي امتلك القدرة على أن يكون وفي وقت واحد شاعراً عظيماً وكاتباً ورساماً، كانت تدهش وتثبط من عزيمة من حوله .
كان يقول : (أنا أعيش مختبئاً تحت وشاح الأساطير) قال ذلك مساهماً هو نفسه في حياكة هذا الوشاح، لأنه كان يعتقد بأن تحت ستارة هذا الوشاح سيصبح أعظم سر بين أسراره الشخصية غير مرئي. في حياته وضع عبقريته الكبيرة متمازجة مع حيرة وارتباك صبياني لأنه بقي خلال حياته كلها ولداً صغيراً، مشدوداً ورقيقاً» .
من جهة أخرى يعد شاهنزاروف مدير (موسفيلم) واحداً من أهم مخرجي السينما الروسية المعاصرين الذين رفدوا هذه السينما بمجموعة ممتازة من الأفلام لعل أهمها «فارس الموت» الذي عرض ضمن الأسبوع المذكور. وحسب جريدة البعث السورية أثار هذا الفيلم جدلاً واسعاً ببعثه موضوع الإرهاب في التاريخ الروسي الحديث وظلت السينما الروسية محافظة على تمايزها عن باقي المدارس السينمائية العالمية وتحديداً الأميركية التي تعتمد الجسد والأكشن بإفراط.
ويرى النقاد والمهتمون بالسينما بأن فيلم مثل» المسلم» الذي أخرجه «فلاديمير خوتينينكو» ومثله الشاب «يغفيني ميرنوف» يدل على أن أزمة السينما الروسية شارفت على نهايتها، والمتمثلة بالتمويل ودخول طارئين عليها.
وذلك بعد عودة الوعي الثقافي إلى الإنسان الروسي بعد سنوات التيه والتخبط، وكانت مؤثرات تلك النهاية عودة دور العرض لتقديم الأفلام الجادة وهو ما أنقذ السينما الروسية من السقوط.
ويؤكد مدير «موسفيلم» «كارين شاهنزاروف» بمناسبة الاحتفال بالذكرى 85 عاماً على تأسيس «موسفيلم» في دمشق وأثناء أسبوع الفيلم الروسي (تعمل المؤسسة الآن بطباعة المجموعة الكاملة لأفضل سيناريوهات الأفلام المنتجة على شرف الذكرى 85، كما يتم إصلاح أفلام من رصيدها الذهبي البالغ (2500) فيلم، حيث يتم إصلاح أفلام «أندريه روبلوف»، و«زيركالو ـ المرأة» لأندريه تاركوفسكي، كذلك فيلم «الحرب والسلام» للمخرج الكبير سيرغي بوندراتشوك.
عروض دمشق
أقيم في دمشق مؤخراً أسبوع الفيلم الروسي المكرس للاحتفاء بمناسبة مرور 85 عاماً على إنشاء مؤسسة «موسفيلم». وكان عرض الافتتاح فيلم «الإمبراطورية المنسية» للمخرج كارين شاهنزاروف، الذي جاء ليذكر الحضور مرة أخرى بروعة المعالجة السينمائية المتميزة للسينما الروسية (السوفيتية) لآخر القضايا الاجتماعية والعلاقات بين البشر في مرحلة عاصفة شهدت بداية انهيار أعظم أمبراطوريات القرن العشرين. سقوط وانهيار خوارزم .كإسقاط تاريخي على نهاية الحقبة السوفييتية.
الأول والأفضل
كان أول فيلم بعد ثورة 1917 هو «الأب سيرجيوس» ويتحدث عن الحقبة الروسية وقد انتشرت صناعة السينما في معظم جمهوريات الاتحاد السوفييتي فيما بعد، مثل جمهورية أرمينيا وجورجيا وأوكرانيا وقد حققت الأفلام السوفييتية النجاح الكبير على يد أبرز المخرجين آيزنشتين في فيلمه «المدرعة بوتمكين»عام 1925 ونجاح هذا الفيلم ليس لأنه يصور أحداث ثورة 1905 فقط، بل بسبب التقنيات المبتكرة أيضاً. وقد أحدث هذا الفيلم ضجة عالمية، ففي بروكسل عام 1958 أعلنت لجنة تحكيم من مؤرخي السينما في 26 دولة أن فيلم «المدرعة بوتمكين» هو «أفضل فيلم في العالم».
د. وانيس باندك


