يوماً بعد يوم، وبهمة المصورين الضوئيين المبدعين المغامرين الباحثين عن الجديد المتميز والمعبّر، وقبل هذا، الموهوبين المسكونين بهاجس الكشف، وتصيد المشهد الجميل من الأشياء العاديّة والمهملة: في الشارع، والحي، والسوق، والمستودعات، والمرافئ، والطبيعة... الخ، ومن ثم تجميد هذا المشهد اللافت والمعبّر والمستوفي لعناصر ومقومات العمل الفني كافة، في لقطة ضوئية أقل ما يقال فيها، إنها (لوحة ضوئيّة) يمكن مدرستها بسهولة، فنقول: لوحة ضوئية تسجيليّة، أو انطباعيّة، أو سورياليّة، أو تكعيبيّة، أو تعبيريّة... وغيرها.
الفن، كما يبدو، لم يعد وقفاً على العمل الفني البصري التقليدي كالرسمة، واللوحة، والمنحوتة، والمحفورة المطبوعة، والملصق، والنصب التذكاري، والزخرفة، والتحفة الفنيّة، بل تعداه إلى مظاهر جديدة قد تكون خردة مهملة، أو سيارة مهشمة، أو مجموعة حاويات متعددة الألوان، نضدها عامل ذواقة، على رصيف ميناء، بطريقة جميلة، أو قد يكون، مجموعة كبيرة من علب المشروبات الغازية، المتعددة الألوان، المعدة للتصدير، ضمن بلوكات نهضت إلى جانب بعضها البعض، لتتحول إلى لوحة تكعيبيّة، أو تجريديّة.
وقد يكون هذا العمل الفني الجديد في مادته وشكله ومضمونه، كومة هائلة، من هذه الفوارغ المعدنية الملونة الحاضنة لكتابات وتواريخ وأرقام وأشكال هندسيّة ونباتية، ألقت بها الأيدي بعد أن استهلكت مادتها، تارة بشكل سليم، وتارة أخرى، بشكل مشوّه، صنعته أصابع سكرى، أو منرفزة، أو غاضبة، أو محتجّة، أو معارضة، أو عاشقة. وما كرّس طرافة هذه الكومة، وقوة تعبيرها الفني، تجميعها في مكان لا يليق بها، والعكس صحيح أيضاً.
وقد تُشكل تظاهرة حاشدة، تحمل فيها أيدي المتظاهرين، إعلام وشعارات و(فولارات) وأقمشة منوّعة، مادة غنيّة، لعدسة مترصدة، باحثة عن لوحة تشكيليّة حيّة، صنعتها حركات الأيدي ومحمولاتها، لحظة انفعال وتجاوب، يصعب تحديد ماهيته بالحب أو الغضب، بالتأييد أو الرفض، لكن لا يصعب إدراك أن ما خرج به هذا المصوّر الموهوب، لوحة ضوئيّة متكاملة الشكل والمضمون، التصوير والقطع، الحركة والتعبير.
وقد يكون هذا العمل الفني الجديد، مجموعة من الثياب الملونة العتيقة (بالة) نُضدت فوق بعضها البعض، لتأخذ شكل كومة كبيرة، قسمتّها الحبال السوداء، إلى مساحات أفقية، وحقول لونية، تجمع بين الفصائل الحارة والباردة، المشرقة والكامدة، الفاتحة والغامقة، المزخرفة والسادة، لنجد أنفسنا في النهاية، أمام لوحة تجريديّة، يعجز عن تنفيذها أمهر الرسامين.
وقد تؤلف، مجموعة من حاويات المرافئ، أو الكراسي الملوّنة، أو الأقلام المنضدة بانتظام في واجهة مكتبة، أو المكررة أثناء الطباعة، المادة المطلوبة، للعدسة المترصدة للخروج بلقطة فنيّة معبّرة، من أشياء صنعتها الصدفة، وجمدتها هذه العدسة، في الوقت المناسب، وقد يكون هذا العمل الفني الجديد الذي صنعته الصدفة، والتقطته العدسة الخبيرة المسلحة بالموهبة والمعرفة وحسن الاختيار الرفيع، مُشكّلاً من أغطية براميل ملونة، نُضدت ببراعة، على مساحة واسعة، في مسرح أو سينما، أو دار أوبرا.
من جانب آخر، قد لا يكتفي المصوّر الضوئي الموهوب، بما تصنعه الصدفة، من مادة ملائمة لتحقيق لوحة ضوئيّة، وإنما يقوم هو بصنع وتركيب هذه المادة، في محترفه، أو قد يستعين بالإمكانيات الهائلة والمفتوحة، التي أوجدها التطور التقني في مجال التصوير وأدواته وقدراته اللا محدودة، على تأليف مشاهد بصريّة، يتماهى فيها العلم بالفن، والعفويّة بالقصديّة، والموهبة بالخبرة، لكنها.
وفي كل الأحوال، تبدأ من عنصر واقعي بسيط، قد يكون قلم ومبراة، أو مغناطيس، أو فيلم، أو علبة مشروب فارغة، أو نفايات بلاستيكيّة ومعدنيّة ضُغطت ضمن سلال لنقلها إلى معامل تدويرها، وفي الوقت الفاصل بين عملية النقل والتدوير، هطل الثلج عليها، ليخلق المادة المناسبة، لاستدراج عين الفنان الخبير إليها، والخروج بصيد موفق لعدسته المفتوحة الشهية على كل جديد وطريف.
الفن إذاً أصبح موجوداً في كل شيء. نراه يطل من هذه الصورة أو تلك، ومن هذه العناصر، أو تلك التشكيلات التي جاءت بمحض الصدفة، إلى أرض الواقع.
من جانبٍ آخر، ويوماً بعد يوم، تتأكد المقولة التي تشير إلى حقيقة وجود الفن في كل شيء: في ذلك اللسان من الإسمنت والفولاذ الممدود إلى السماء، والذي ندعوه (ناطحات السحاب) وموجود في نار المدفأة، وقميص الزنبقة الأبيض. موجود في كل شيء، لأنه منا، من هذا القلب ينبع، ويحتاج فقط لمن يكتشفه، حتى في المهملات، والعادي جداً من الأشياء. المهم هنا هو العين الموهوبة، النفّاذة، الصيّادة، القادرة على اكتشاف الفن وتحويله إلى شيء ملموس، بهذه اللغة التعبيرية أو تلك !!
والحقيقة المؤكدة، أن الفن، أي فن، يستند إلى دعامات أهمها: الإدراك، الاختيار، والتجربة.. التجربة التي لا يخلدها الفن في صورة من صوره، أو بعض أثاره، تجربة متقلبة، مشوشة... إنها مادة بلا شكل، حركة بدون اتجاه، أو كما يقولها (ويليم جيمس) بلبلة طنانة، غير أن عقل الإنسان وإدراكه وفهمه، يحوّل تلك الفوضى اللاتكوينيّة، إلى نظام نفسي مرغوب فيه نسميه (الفن).
بعيداً عن الهاجس الجديد للفن المعاصر، وغير المجدي عملياً في تخليص البيئة، من التلوث المتعدد الأشكال والمواد والخامات والمظاهر والخطورة. تنتقل عين الفنان الضوئي لتبيح لنفسها البحث عن صيدها، في كل شيء: في الإنسان والطبيعة، في إفرازات العلم، وتطور التكنولوجيا.
في آثار ما تتركه يد الإنسان من سلبيات أو إيجابيات، من بشاعة أو جمال، وفي آثار ما يتركه غضب الطبيعة من زلازل وأعاصير وبراكين وفيضانات وأمطار وبروق ورعود، وحتى في الأشياء البسيطة المهملة، المركونة بفعل فاعل، أو بالصدفة، خارج اهتمامات الإنسان العادي.
هذا النزوع القديم - الجديد، لإنجاز الفن المتميز والمعبّر، بوساطة الكاميرا، محاولة لرد الاعتبار لفن التصوير الضوئي الذي عانى أثناء انطلاقته الأولى مطالع القرن التاسع عشر (حيث حُدد الخامس من أيار عام 1816 التاريخ الفعلي لظهور الصورة الضوئيّة الأولى الناجحة) من اضطهاد وإقصاء وتسفيه المشتغلين في حقول الفنون الإبداعيّة التقليديّة كالفنون التشكيليّة، والشعر، والموسيقا، والأدب.
ولا زال يعاني حتى تاريخه، من نظرة دونيّة، يرمقه بها غالبية المشتغلين في هذه الحقول، الأمر الذي يزيد (بالمقابل) إصرار رواده المهرة المسكونين بالموهبة والخبرة، على إثبات خطأ هذه النظرة، وتالياً، التأكيد على مشروعيّة الصورة الضوئيّة، الانتماء إلى جمهوريّة الإبداع الفني الرفيع، مثلها في ذلك مثل الرسمة، واللوحة الزيتيّة أو المائيّة، أو المنحوتة، أو المحفورة المطبوعة، أو القطعة الموسيقيّة، أو القصيدة... الخ.
مادة بلا شكل
الحقيقة المؤكدة، أن الفن، أي فن، يستند إلى دعامات أهمها: الإدراك، الاختيار، والتجربة.. التجربة التي لا يخلدها الفن في صورة من صوره، أو بعض أثاره، تجربة متقلبة، مشوشة... إنها مادة بلا شكل، حركة بدون اتجاه، أو كما يقولها (ويليم جيمس) بلبلة طنانة، غير أن عقل الإنسان وإدراكه وفهمه، يحوّل تلك الفوضى اللاتكوينيّة، إلى نظام نفسي مرغوب فيه نسميه (الفن).
د. محمود شاهين

