لم يخطر ببال مدير السيرك «فالانتين زماني» في أي وقت من الأوقات بأن رسالة ما ـ أيّاً كانت ـ من الممكن لها أن تفاجئه بهذه الطريقة. الأغرب من ذلك أن تفاجئ رسالة رجلا عمره ستون سنة، وُلد في مقطورة نوم في أستراليا، وحتى يوم وصول تلك الرسالة من البلاد العربية كان الرجل قد جاب أربعين بلداً من بلاد الدنيا وقدّم عروضه أمام أربعة ملوك وجلس مع سبعة من رؤساء العالم على مائدة الطعام وقدّم ألعابه السحرية في ثلاثة سجون.

القصة تبدو بأنها لاتُصدّق، إلاّ أن الألعاب السحرية البسيطة هذه التي كان فالانتين يُسلي بها المساجين وحارسهم الوحيد أنقذت حياته في إحدى المرات... نعم، لقد كان ذلك في إندونيسيا عندما وقع فالانتين ضحية إشتباه بسيط جداً كاد أن يقوده إلى حبل المشنقة. هناك وقف حارس السجن ونادى على القاضي بكل شجاعة: «هذا فالانتين آخر، هذا ساحر رائع وليس تاجر المخدرات». صُعق القاضي وجلاده مما سمعا وأمرا بأن يُنزل مدير السيرك من منصة المشنقة وطلبا منه أن يريهما خدعة سحرية. عندها وقف فالانتين بأعصاب حديدية وأخرج من ثوب القاضي جرذاً ضخماً بلون رمادي غامق والذي كان يزعق خوفاً.

أو لنأخذ قصة أخرى تروي كيف أن فالانتين ـ وبالوقت الذي كان يقوم فيه بالرقص على الحبل ـ عايش حدوث إنقلابين عسكريين في أقل من نصف ساعة.

في تلك الأيام كان فالانتين في رحلة لتقديم عروضه في أميركا اللاتينية، وبعد أن قدّم عرضه الأول في مدينة «لاباس» دُعي إلى القصر الجمهوري ليُقدم رقصه المثير على الحبل أمام الرئيس أثناء تناوله الطعام مع جنرلاته وبحضور ضيوفه الأجانب.

وجيء به إلى القصر ومُدّ الحبل على طول السقف الشامخ في صالة المائدة وبدأ فالانتين بالرقص على الحبل، إلاّ أنه مالبث أن استغرب، فقد لاحظ بأن اهتمام الضيوف كان منصبّاً على الطعام أكثر مما كان منصبّاً عليه، ولم يكترث به أحد ولا بمدى خطورة قفزاته على الحبل دون أن يكون هناك شبكة أمان تحميه لو سقط من هذا العلو الشاهق.

ودون أن يهتم به أحد تقريباً مشى فالانتين على الحبل مرةً إلى الأمام وعاد مرة أخرى، وأراد أن ينزل لولا أن أحد الضباط أمره بأن يُكمل العرض... وفجأةً سُمع أزيز رصاص قادم من فناء القصر واقتحم القاعة عدد من العساكر الذين أمسكوا بالرئيس وجروه إلى الخارج. ولم يمض إلا قليلاً من الوقت حتى دخل أحد الجنرالات القاعة، ألقى التحية على الضيوف الأجانب المندهشين وعانق بعض مرتدي البزات العسكرية يبدو أنه يعرفهم جيداً، ثم جلس على كرسي الرئيس المخلوع.

أزاح الجنرال باشمئزاز الصحون والأكواب التي استخدمها منافسه الذي أُطيح به قبل دقائق وبدأ يأكل. بعد فترة وجيزة بدأ الجنرالات يمازحون الرئيس الجديد، وكأنه القديم، ولم يبق في القاعة أحد يستغرب ذاك الحدث إلاّ الضيوف الأجانب الذين لم يستطيعوا ـ لدهشتهم الصاعقة ـ بلع ما في حلوقهم.

«من هذا إبن العاهرة؟» سأل الرئيس الجديد مشيراً بسبابته إلى فالانتين، الذي كان في تلك اللحظة يقف على الحبل بالضبط فوق رأس الرئيس الجديد، ويحمل بيديه عصاه ليُحافظ على اتزانه. فشرح الحاضرون للرئيس الجديد بأن هذا مدير سيرك وبهلوان مشهور قادم من ألمانيا. فقال الرئيس: «ليرينا إذن شيئاً ما!»وهنا أتى فالانتين بقفزات شُجاعة أدهش فيها هذه المرة كل الحاضرين.

ولم يكد يمضي من الوقت أكثر من ربع ساعة حتى راح أزيز الرصاص ينطلق مجدداً من فناء القصر... وخُلع الباب ودخل الرئيس المخلوع لتوه شاهراً مسدسه يتبعه حشد من الضباط والعساكر. أمر باعتقال الإنقلابيين، جلس على كرسيه، تناول كأسه وشرب بصحة إنقاذ الجمهورية. ثم نظر إلى فالانتين ضاحكاً وقال له: «أكمل»!

هذه لمحة قصيرة تم سردها فقط لتعريف القارئ بشيء من حياة فالانتين المليئة بالمغامرات، ولنعد الآن إلى موضوع الرسالة التي تحدثنا عنها:

في صباح اليوم الذي وصلت فيه الرسالة إلى فالانتين بدأت موزعة البريد «بيا» عملها باكراً في الحي المليء بالثلوج، تجرُّ وراءها عربة البريد الصغيرة، وكانت خطاها بطيئة فالبرد القارس ليلة البارحة حول الثلج إلى صقيع مما جعل خطاها أقل أماناً مما كانت معتادة عليه.

«بيا» لاحظت قبل ذلك ـ في مركز البريد ـ وبينما كانت تقوم بفرز الرسائل بأن إحداها وُضع عليها طوابع غريبة وعنوان أغرب على الظرف:

إلى السيد فالانتين زماني

(من المؤكد بأنه الآن مدير سيرك)

ابن مدير السيرك المشهور رودولفو زماني

(عنوان بيته بالتأكيد معروف)

أغلب الظن يقطن بالقرب من مدينة «ماينس»

ألمانيا.

رفيق شامي في سطور

* ولد رفيق شامي في دمشق عام 1946.

* سافر إلى ألمانيا عام 1971 وعمل في ورشات ومصانع إلى جانب دراسته من 1971 ـ 1979 حيث نال درجة الدكتوراه في الكيمياء العضوية المعدنية.

* نشر أعمالاً متفرقة وأسس عام 1980 مع كتاب أجانب آخرين المجموعة الأدبية «الريح الجنوبية»، وأصدر مع زملائه واتحاد الفنانين الأجانب «بوليكونست» مجموعة الريح الجنوبية في 13 مجلداً، وتضم أعمال نخبة من الكاتبات والكتاب الأجانب في ألمانيا من عام 1980 وحتى عام 1985.

ترجمة مروان علي