فازت الكاتبة الاسبانية أنخيليس كاسو بالجائزة الأهم في عالم النشر العملاق بلغة سيرفانتيس وذلك عن روايتها «ضد الريح»، المفعمة بنبرية السيرة الذاتية والتي تدور حول مهاجرة قادمة من كابو فيردي لتعيش في اسبانيا مرورا بالبرتغال بحثا عن حياة أفضل وهربا من العوز والاضطهاد ليصطادها مجتمع غربي لا يرحم بدوره وفيه من الأمراض الاجتماعية خطورة،التي لا تقل، بأي حال من الأحوال، عما تموج به المجتمعات الطاردة لسكانها من مشكلات مستعصية.

قبل الإعلان عن اسم الفائز النهائي بجائزة «بلانيتا» 2009 الأدبية، راجت في الأوساط الأدبية الإسبانية والأميركية اللاتينية شائعة تقول إنها من نصيب امرأة صحافية مجهولة الهوية، خاصة وأن أنخيليس كاسو دفعت بروايتها «ضد الريح» تحت اسم مستعار هو فيرجينيا إيفورا، ولم يعرف اسم مؤلفتها الحقيقي إلا ليلة الإعلان عن اسم الفائز بالجائزة الكبرى في حفل مهيب تم، مؤخرا، في مدينة برشلونة، بينما وصل الكاتب الاسباني إيميليو كالديورن إلى النهائيات عن طريق روايته «الراقصة والانجليزي». هذه ليست المرة الأولى التي تقترب فيها هذه الصحافية والروائية ذات المسيرة الطويلة وكاتبة العمود في عدة وسائل إعلامية، من بينها ملحق «ماغازين» الذي تصدره صحيفة «لا فانغوارديا» الاسبانية، من الحصول على هذه الجائزة التي تقدر قيمتها بنحو 601 ألف يورو (897 ألف دولار) وتعد أرفع جائزة أدبية في العالم بعد نوبل.

ففي عام 1994 وصلت إلى نهائيات جائزة «بلانيتا» برواية «ثقل الظلال»، لكن الجائزة المنشودة ذهبت تلك السنة إلى الكاتب الاسباني كاميلو خوسيه سيلا عن روايته «صليب القديس أندريس»، علما بأن كاسو هي الشخص الثالث الذي يفوز بالجائزة بعد وصوله إلى النهائيات في دورات سابقة، فلقد حصل ذلك مع فرناندو سشوارتز في عامي 1982 و1996 ومع فرناندو سافاتير في عامي 1993 و2008.

في رواياتها وأبحاثها الأخيرة، راحت كاسو تركز على النساء، «نساء خسرن في الحرب الأهلية، كما في هذه الحالة، نساء أساسيات في مجتمعنا حتى يتمكن الآخرون من الخروج من المنزل إلى العمل ومن مواصلة إنجاب الأولاد والعيش بصورة لائقة»، من وجهة نظر الكاتبة التي ترى كذلك أنهن نساء «غير مرئيات على نحو خاص»، وذلك كونهن نساء يشغلن مواقع عمل منحطة ووضيعة وفوق ذلك كله ينتمين إلى عرق آخر».

في واقع الأمر، فإن ساو،بطلة الرواية، كانت قد عملت لدى الكاتبة الاسبانية وساعدتها على الاعتناء بابنتها بينما راحت تتشكل بينها عرى صداقة لن تمحى، الأمر الذي جعل ساو تفتح قلبها للكاتبة وتكشف لها النقاب عن تفاصيل حيوية من حياتها وتخبرها بأنها «عاشت حياة قاسية جدا وأنها كافحت ضد رياح شريرة كثيرة، ريح البؤس، خيبات الأمل، الاضطرار للرحيل عن بلدها.

وفي حالتها التعرض هي وابنها لمعاملة سيئة من جانب زوجها السابق«، وذلك قبل أن تضيف كاسو أن «الموسيقى والرقص عنصران حاضران بقوة في روايتي «ذلك أن» ساو، بطلة العمل، دأبت على تخطي الصعوبات والمآسي والأوجاع بالاستسلام للرقص والموسيقى»، حيث تقول إحدى شخصيات الرواية «عندما ترقص، تذهب النفس في نزهة وعندما تعود تكون قد استعادت شبابها».

لكن كاسو ترفض الفكرة القائلة بأن روايتها توحي باليأس والقنوط وتؤكد أن لها «نهاية سعيدة»، فعلى الرغم من أنها تتحدث عن حيوات قاسية جدا يعيشها أناس كثيرون، إلا أنه «هناك دائما عنصرا مضيء،تجسده تلك العزيمة والحماسة التي لا تنضب في نفوس أولئك النساء اللواتي يدعم أنفسهن بالتضامن المتبادل».

صحيح أن «ضد الريح» لها بطلة واضحة المعالم والهوية، إلا أنها توحي بحالة جمعية لها طابع «كورالي واضح» لأن «لساو حياة كان الحضور الذكوري فيها ضار ومؤذي جدا، بدءا بوالدها السكير والغائب دائما، وشفيعها وزوجها السابق الذي أساء معاملتها بشكل رهيب». بيد أن كاسو تحذر من أن حياة بطلة الرواية لا تنح هذا المنحى السيء دوما، فهي وتقول إن «ساو راحت تمضي قدما في الحياة بفضل مساندة بعض النساء اللواتي كن هناك، صديقاتها في كابو فيردي وفي مدريد».

بعد الإعلان عن فوزها بالجائزة لم تنس كاسو التعبير عن امتنانها الشديد لأصدقائها الكابوفيريين، الذين أعاروها حيواتهم كي تتمكن من روايتها وخصت من بينهم جميعا ماريا دي لا كونسيكاو سواريز، وقالت إن روايتها تقوم على أحداث وشخصيات مأخوذة من الواقع وتعالج «الكفاح الهائل الذي يتعين على بطلات القرن ال21 أن يخضنه حتى لا يمتن منذ أنم يولدن، أولا في بلدانهن، الفقيرة والعدوانية للغاية، ومن ثم في محيط معقد للغاية مثل محيطنا. إنهن نساء يناضلن ضد رياح متعددة، رياح البؤس، وقلة التعليم والأحلام المتكسرة والاضطرار إلى الهجرة والاعتناء بنا وبأولادنا وآبائنا».

بطلة الرواية تعاني من مشقات وصعاب هائلة في كابو فيردي، التي هاجرة من أولا إلى البرتغال ومن ثم إلى اسبانيا. والرواية تطرح حبكة متماسكة ومنسجمة مع مسيرة المؤلفة، التي اهتمت بالنضال في سبيل حقوق المرأة والصعوبات التي تواجهها بوصفها أنثى في العديد من كتبها، وهي تقول بهذا الصدد، في حوار أجرته معها صحيفة «لا فانغوارديا» بعد الإعلان عن فوزها بالجائزة، «في حياتي، لدي التزامين، الأدب، الذي يفوق أي التزام آخر، ومن ثم المجتمع الذي أعيش فيه ولا سيما النساء.

وأنا اعتز وافخر كثيرا بصفي امرأة. لقد كتبت عن النساء اللواتي خسرن في الحرب الأهلية والآن أعطي الكلمة للمهاجرات غير المرئيات اللواتي يسمحن لنا نحن الأوروبيات بأن نكون أمهات وعشيقات وبنات وعاملات في آن. نحن نمثل كل ذلك لأنهن يحلن محلنا عندما لا نكون، بدونهن لا نستطيع الذهاب حتى للسينما».

كما تعتبر كاسو هذا النوع من الهجرة نوعا من العبودية الجديدة وتقول أنه «على الرغم من أننا لا نعترف بذلك، إلا أننا شيدنا حريتنا على عبوديتهن هن تماما مثلما حصل في اليونان الكلاسيكية. فنحن نستغلهن. نحن النساء الأوربيات تحررنا مستغلات نساء أخريات، مهاجرات، ونحن ندفع لهن أجورا أقل من الحد الأدنى من دون محنهن ضمان اجتماعي ونتركهن من دون أوراق رسمية على الرغم من أنهن يعملن»، ما يعني أن النساء الأوربيات عنصريات، كما ترى كاسو، التي توضح أنه «عندما يبقى الناس بلا عمل، تظهر التيارات العنصرية ويقال إن الأجانب يسرقون منا منح الطعام ويملئون المستشفيات».

«ضد الريح» رواية تتغلل في تقنيات السرد الأدبي الجميل وتتقنها في الوقت الذي تبقى فيه ملتزمة بامتياز بقضايا المجتمع عموما والمرأة على وجه الخصوص، فبالإضافة إلى كل ما سبق، تتناول كاسو في هذه الرواية، التي استغرقت في كتابتها ستة أشهر، موضوع إساءة معاملة النساء المهاجرات وذلك من خلال تسليط الضوء على زواج ساو من رجل أنغولي يعذبها هي وابنها، الأمر الذي ترى الكاتبة أنه لا يظهر في الروايات الحالية، ما يجعلها تحمل على الرجال من الكتاب لقلة تناولهم هذا الموضوع فضلا عن عدم تناوله كما يجب.

فيما يتعلق بالجانب التقني من الرواية، تقول كاسو إنها تقوم هيكليتها تقوم راوية تقوم بمهمة السرد وهي امرأة اسبانية تتعرف إلى ساو عندما تتعاقد معها للعمل في منزلها بينما كانت تمر بحالة اكتئاب وبالتعرف إليها تتعلم كيف تقدرها وتحبها. في أول فصلين تتحدث عن نفسها وبقية الكتاب تروي قصة حياة ساو نفسها.

أنخيليس كاسو في سطور

ولدت أنخلينس كاسو في مدينة خيخون عام 1959 وهي مجازة في الجغرافية والتاريخ رغم أنها مذ كانت شابة راحت تصوب مسيرتها المهنية نحو الصحافة، بينما أصبح وجهها شعبيا في الثمانينيات عندما قدمت بين عامي 1985 و1986 برنامج «تيلي دياريو» في تلفزيون اسبانيا الدولي وبرنامج الحوارات «لا تاردي»، أي المساء.

بحصولها على جائزة «بلانيتا»، تعزز كاسو مسيرة أدبية بدت على مدار الوقت متماسكة منذ أن قررت في أكتوبر 1994 ترك الصحافة لتنكب على الأدب.شخصية الإمبراطورة سيسي النمساوية ـ المجرية طوعت الكاتبة الاسبانية بطريقة جعلتها تكرس لها منذ عام 1994 ثلاثة كتب، أولها هو «إليزابيث، إمبراطورة النمسا ـ المجر أو الجنية»، وتلاه «إليزابيث النمساوية ـ المجرية، ألبوم خاص»، 1997، وهي سيرة ذاتية للإمبراطورة تحتوي على لوحات غرافيك عن حياتها وعالمها من خلال 100 وثيقة تصويرية.

كما أضافت كاسو للجزء الثاني هذا جزءا ثالثا جمعت فيه مجموعة مختارة بلغتين من الأشعار التي كتبتها سيسي وتهاجم فيها الملكية والأرستقراطية بقسوة.

باسل أبو حمدة