التراث الشعبي هو جملة الموروث الثقافي من الحكم والأمثال والحكايات والنوادر والأحاجي والألغاز والأساطير والملاحم، فضلا عن الرسومات والخزف والأغاني والرقص والملابس، ثم هناك صناعات وفنون نفعية تعتمد أساسا على جماليات الموروث الشعبي.. وكلها يتوارثها الابن عن الأجداد والآباء والأمهات وتنتقل من جيل إلى جيل شفهيا وتلقائيا.

يتضمن التراث الشعبي مجمل المعتقدات الشعبية، والتي تتضمن «الطقوس الدينية»، كما في المناسبات الدينية، إلى جانب الأفكار الغيبية حول الجن والعفاريت (مثلا).. مع «العادات والتقاليد»، التي تتعلق بمجمل دوافع السلوك بين أفراد الجماعة، مثل سلوك المناسبات والاحتفالات العامة مثل الزواج وغيرها.. ثم «الأدب الشعبي» وفنون المحاكاة. والتي تتضمن الشعر والنثر بما يشمل من أساطير وملاحم وحكايات وأمثال شعبية وغيرها.. وأخيرا «الفنون الشعبية»، من العاب الأطفال والرقص والغناء الشعبي، مع مجمل تطبيقاته المادية أو النفعية في عدد لا يحصى من الصناعات القائمة بذاتها ومرتبطة بالجماليات الشعبية، مثل صناعة الملابس الشعبية والأدوات المنزلية، وأيضا الخيام والشموع وفوانيس رمضان والمشغولات النحاسية وغيرها. بالعموم فان الفنون الشعبية تواجد مادي حي وحيوي، ارتبطت بالناس وهمومهم وأفراحهم.

التراث الشعبي معبأ بخبرات الأجداد وحكمة الحكماء، ومتجدد برؤية الأبناء، والقابلة للإضافة على يد الأحفاد.. يتميز هذا الموروث الجمالي بعدد من الخصائص، منها: ما يعبر عن وجهة نظر عامة ومقبولة من الجماعة على تنوع واختلاف اتجاهاتها واهتماماتها وربما مستواها الاقتصادي والتعليمي أو المعرفي.. غالبا ما يتضمن قضايا عامة، وأفكار متنوعة حول الزمان والمكان.وقد يناقش فكرة الخلق وأحوال الكون، وبالجملة يتضمن من القضايا الميتافيزيقية من يجعله محيط بالفكر الفلسفي وان استخدم أداة غير الأداة المباشرة للتحليل والرؤية العقلية. كما يعتمد التراث على قدر وافر من الترميز المكشوف أو البسيط، بحيث يسهل على الجميع فهمه بل والإضافة إليه، من سلاسة الأسلوب، ووضوح الفكرة، والشمولية في المعنى، وتوظيف البيئة.

أما أن ترصد كتب التراث (الطبري) عن الخليفة المعتمد أنه كان يحذر الناس من الاستماع إلى القصاصين في الطرقات، وهو ما يعني وجود أدبا موازيا للأدب الرسمي هو الأدب الشعبي.. ومرفوضا من السلطة العليا في الدولة. وربما كان هذا الموقف الرسمي سببا في عدم تدوين الأدب الشعبي خلال تلك الفترة.عندما ينتقل الحديث عن «الأندلس» وعلاقتها بالأدب الشعبي، فلا مناص من القول بأن الأندلس سمحت برواج الأدب الشعبي وتسجيله. فرواج «الزجل» الأندلسي مع العديد من القصص مثل «قصة الاسكندر»، و«قصة المعراج» وغيرهما.. كله يعد دليلا على بداية رواج الأدب الشعبي في العربية.

لعل الحكاية هي أبسط وأكثر صور نقل التراث الشفاهي من الأجداد إلى الأحفاد. ذلك لخصوصية «الحكاية» كقالب فني غير مقعر الخصائص، بسيط التناول، سهل التحميل بكل أغراض الفكر الإنساني.. البسيط منه، والمعقد. تتميز الحكاية بمخاطبة الغريزة الحكائية عند المتلقي وصاحب الحكاية معا، فالإنسان حكائي بالفطرة. الانتقال الزماني والمكاني بلا تمهيد منطقي وباستخدام أية وسيلة، ذهنية كانت أو خيالية. كما أن الحكاية في انتقالاتها من الفرد إلى الجماعة، لا يسمح بالإضافة الخاصة إلا بالقدر المحدود الذي قد يبدو غير محسوس، وان بدا جليا مع تراكم الانتقالات والإضافات.

تحمل كل الشعوب في تراثها الشفاهي قدرا غير قليل من الحكايات، والتي يحرص عليها الجميع، جيلا بعد جيل. وقد برز في القص المعاصر توظيف بعض المبدعين المعاصرين لهذه الثيمة في القص، وخصوصا في القص الروائي والقصة القصيرة. وفي مصر فاق مبدعو جنوب مصر غيرهم في توظيف تلك «الحكاية» (وغيرها من عناصر التراث الشعبي) بين طيات نسيج السرد القصصي والروائي.

هذا الجانب النفعي في منتجات الحرف التقليدية (أو الشعبية)، هو ما أكسبها أهميتها، وهو السبب نفسه الذي يكشف عن حيوية الفنان الحرفي، فضلا عن أنه يكشف عن جوانب اهتمام الجماعة والذوق العام لها. وقد عكف الدارسون على بحث أسباب شيوع منتج ما دون غيره في الجماعة الشعبية، حتى أنه لا يمكن استكمال احتفال ما دونه، لأسباب في المعتقدات والأفكار الشعبية، بصرف النظر عن القيمة النفعية.

تعتمد أية حرفة شعبية أولا وقبل كل شيء على «الحرفي» من حيث خبرته واجتهاده ومهارته، ثم قدرته على الإضافة (عند البعض الأكثر حنكة وقدرة على الإبداع). هذا الحرفي يمر بمراحل ويكلف بمهام كثيرة قبل أن يعترف به كحرفي. لسنوات طويلة يعمل (صبي) أو مساعد للحرفي الأسطى.. يناوله الأدوات ويتعرف على أسمائها، قد يكلف بتقيد مرحلة صغيرة أو خطوة محددة في تنفيذ المنتج، وقبل بدء العمل وفي نهاية يوم العمل يقوم الصبي بتنفيذ المكان. ولا يعترف به (أسطى) إلا بعد مرور سنوات يتم اختباره فيها وتكليفه بمهام صغيرة وتدريجيا.

هذا الجانب يكشف عن أهمية الخبرة المتوارثة، والمهارة اليدوية للصبي التي قد تختلف من فرد عن آخر، كما تعطى فرصة لنقل الخبرات جيلا بعد جيل. وقد تنوعت الكتابات والأبحاث في مجال الفنون الشعبية، بتنوع الحرفة أو الصناعة التي يتناولها الباحث. وربما من المجدي التوقف أمام بعضها كنموذج عام.

حرفة صناعة الشموع (نموذجا).. تلك الشموع التي تكاد لا تخلو بلدة من بلدان العالم من تصنيعها أو استخدامها، كما أنها من أقدم الحرف الشعبية وتجلت فيها الفنون والإبداعات الشعبية بصورة جلية وعند كل الشعوب.

يقال أن بلاد الصين هي أول من صنعت الشموع واستخدمته، وكان من جوهر تجارتهم مع البلدان الأخرى.. كما ارتبطت الشموع بالطقوس الدينية والمعتقدات. وفي بلاد العرب انتشرت الشموع وصناعتها وتوظيفها، منذ فترات بعيدة، حيث ذكر الرحالة «ابن بطوطة» عام27هجرية، كيف لعبت الشموع دورها في «مكة» المكرمة احتفالا بمقدم شهر رمضان، قال:

«إذا هل هلال رمضان، تضرب الطبول والدبادب عند أمير مكة ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام من تجديد الحصير وتكثير الشمع والمشاعل، حتى يتلألأ الحرم نورا ويسطع بهجة وإشراقا».

كما أن المؤرخ «ابن اياس» كتب في مجال وصف الاحتفالات القاهرة في رمضان (عام 92هجرية) يقول:

«أما في ليلة رؤية الهلال، حضر القضاة الأربعة بالمدرسة المنصورية، وحضر الزيني بركات بن موسى (المحتسب)، فلما ثبت رؤية الهلال وانفض المجلس، ركب الزيني بركات من هناك فتلقاه الفوانيس والمنجنيق والمشاعل والشموع الموقدة، فلم يحص ذلك لكثرته. ووقدوا له الشموع على الدكاكين وعلقوا له التنانير والأحمال الموقدة بالقناديل من الأساطين إلى سوق مرجوش إلى الخشابية إلى سويقة اللبن إلى عند بيته» (وكلها أماكن بالقاهرة القديمة).

لعل مجمل الصناعات الشعبية، تتسم بقلة وبساطة الأدوات والأجهزة المستخدمة، وقد حصرها الباحث «محمد دسوقي» في عدد من البراميل، ومواقد تعمل بوقود «الكيروسين أو الجاز»، أحواض، أوتاد لصب الشمع السائل، صواني، ميزان، ثم قوالب بأشكال مختلفة لتشكيل الشموع بالأشكال المتنوعة، يتم رفعها حتى تجف على «الشماعة».. أما الوان الشمع فهي على لونين من الأصباغ، الأولى تدهن بها الشموع من الخارج، والأخرى زيتية تخلط بالشمع السائل.

كما تمر مرحلة صناعة الشمع بسبع مراحل: مرحلة الإعداد بوضع الشمع الخام في براميل.. ومرحلة قص الخيوط وهي تتم بأحجام وأطوال مختلفة حسب أطوال المنتج.. ثم مرحلة التشميع والتفريط ومرحلة شد الخيط.. وأخيرا مرحلة الكشط أي تهذيب المنتج من الزوائد الشمعية التي قد تكون عالقة.

الطريف أن المنتج من الشموع له اسماء متنوعة، ولكل اسم دلالة على وظيفة الشمعة، فليست كل الشموع لها الوظيفة نفسها ولا الشكل نفسه.. غالبا ما يكون اسم الشموع من المناسبة التي يستخدم فيها. «شموع السبوع»، تلك التي تستخدم في الاحتفال باليوم السابع لميلاد المولود (يلون من الخارج، ويلف بشريط أخضر اللون).. «شمع الزار» الذي يستخدم في احتفالات الزار (يصبغ من الخارج باللون الأسود أو الأخضر أو البني أو الأحمر، مع ضرورة تلوين ثلاث شمعات، كل شمعة بثلاث الوان وتسمى (ثلاث، ثلاث)، مع شمعة تسمى «شمعة روكش» طولها حوالي 30سم، وتلون حسب الطلب!.

. أما الفنادق والمنازل فلها «الشمع الحلزوني» وهي مخروطية الشكل وطولها من 20 إلى 25سم.. بينما شمع النذور الذي يوضع في بعض الجوامع، يسمى «شمع العشرات»، لأن كل عشر شمعات توضع معا في كيس وطول الشمعة 10سم..

أما في الكنائس يستخدمون «شمع مغارز» ويرجع الاسم لوجود طرف مدبب في أسفلها تغرز بها الشمعة في الرمال، طولها 30سم، وملونة باللون الأصفر غالبا.. أما أكثر أنواع شيوعا فهو «شمع عيد الميلاد» الذي يصل طوله 10سم وملون بألوان زاهية، ويوضع في «التورتة».. وأخيرا «شمع العرايس أو الشمع الطويل» الذي يصل طوله إلى متر، أبيض اللون، مزين بحبات اللؤلؤ والشرائط الملونة.

وهناك مسميات أخرى لبعض الأنواع، تسمى بحسب وزنها.. «شموع الأنصاص» أي التي تزن نصف الكيلوجرام، وهناك «شمع العشرات» و«شمع الأربعين» وغيرها.

ولا ينتهي حصر أنواع الشموع إلا بالإشارة إلى أن هناك بعض الفنانين يستخدمون «الشمع الخام» ويصنعون منه مجسمات بأشكال والوان مختلفة، تتبدى معها المهارة الفنية، تلك التي غالبا ما تتشكل بروح التراث الشعبي سواء قصص البطولات أو نماذج للكعبة المشرفة أو أشكال الحيوانات وغيرها.

كما أن هناك حرف شعبية أخرى تتجلى فيها ملامح الإبداع الشعبي، والمعتقدات الموروثة.. مثل صناعة الفوانيس التي توضع للزينة أو الصغير من في الحجم تحمله الأطفال خلال شهر رمضان من كل سنة. ولعلها من الموروثات الشعبية غير الشائعة في مجمل البلدان العربية.

لعل الأكثر شيوعا تصنيع «الخيامية»، ويرجع الاسم إلى صانعها «الخيمي» الذي يقوم بصناعة الخيام، سواء بخياطتها أو تجميلها. وغالبا ما تعبر قطع النسيج التي تحاك بأشكال معينة وتخاط بالأقمشة عن روح الفنان الشعبي وتراثه الموروث. الآن وبعد العولمة الاقتصادية والأسواق المفتوحة، أجدر بالبلدان العربية أن تنتبه إلى تلك الحرف وتخصص لها المعاهد المعتمدة، وتقيم المهرجانات وتحث على المراكز البحثية حولها، حفاظا على الهوية العربية، بل وخصوصية كل منطقة أو قطر وملامحه الشعبية الخاصة به.

ولا يفوتنا الإشارة إلى جدارة دولة الصين على غزو أسواق العالم، حتى أنها الآن تصدر للبلدان الإسلامية مستلزمات الحج والصلاة وفوانيس رمضان، فضلا عن المنتج المنافس للخيامية وللشموع المحلية! يرجع ذلك لتلك المميزات الهامة والضرورية التي تتضمنها الفنون الشعبية المعبرة عن الهوية والانتماء، وهو ما يرجع إلى: استخدام الخامات المحلية والمتاحة مع التشكيل الجمالي بتلك الوحدات المتفق في الجماعة الواحدة..

غالبا ما يتناول الفنان الشعبي موضوعات متفق عليها ومتوارثة، ولكل عنصر من عناصر الفن الشعبي ميزاته وخصائصه الفنية.. ثم غلبة توظيف العناصر الهندسية والطبيعية في تشكيل مجال فنه والتي يستحضرها من البيئة المحيطة به.. كلها وغيرها تزيد من رابطة الإنسان إلى أصوله وجذوره وتعبر عن الهوية أصدق تعبير.

مصطلح الفلكلور

ظهر مصطلح «الفلكلور» في منتصف القرن التاسع عشر، حيث بدأت الدراسات المتخصصة بعيدا عن دراسة «الآثار». ويضم ملامح الثقافة المادية والتقاليد المتناقلة شفاها وكتابة على مر الأجيال، وان اتسع المصطلح الآن وضم المناسبات الجماعية مثل «الموالد» والاحتفالات الدينية والاجتماعية، والرقصات والملابس، والرسومات، فضلا عن الحكايات والنوادر والأمثال.. وغيرها من العناصر التي شكلت عقلية الشعوب.

بلاد الشمع

يقال إن بلاد الصين هي أول من صنعت الشموع واستخدمته، وكان من جوهر تجارتهم مع البلدان الأخرى.. كما ارتبطت الشموع بالطقوس الدينية والمعتقدات. وفي بلاد العرب انتشرت الشموع وصناعتها وتوظيفها، منذ فترات بعيدة، حيث ذكر الرحالة «ابن بطوطة» عام27هجرية، كيف لعبت الشموع دورها في «مكة» المكرمة احتفالا بمقدم شهر رمضان.

السيد نجم