السطر: حذار من الانزلاق، ذلك كان الصوت الذي لا ينقطع دويُّه وتردده في ذهن من يتعلم الكتابة، فثمة تجربة مريرة لكنها حاسمة، لا بد من خوض غمارها، ثمة قيادة حرف، واليد المنضبطة هي مقررة مصير صاحبها.

عملية الإمساك بقلم الرصاص، بالنسبة للطفل على مقعد الدراسة، تمثل خطوة رئيسة لتعلم الكتابة، لكن اتقان الكتابة لا يتم إلا عندما يلتزم بالسطر، ألا يأتي الخط منحرفاً، أو شاقاً طريقه عالياً أو سافلاً، لا بد أن يكون السطر قاعدة انطلاق الحروف الهجائية، ليعطي ذلك إشارة إلى المعلم أو من يشرف عليه أن ثمة أملاً بالتعلم يتحقق.

يحتفظ السطر، لهذا السبب، بهيبته ونكهته، ولا أظن أن ثمة استثناء في ذلك، حيث يجد الطفل في خطوته الأولى وفي مدة زمنية معلومة، صعوبة تكيف في التزام السطر المستقيم، فعلى الكتابة أن تأتي في الفراغات المحصورة بين السطور، ودون أن يحدث تداخل فيما بين الكتابات السطرية، لا بد من فراغ مقدَّر للتمكن من قراءة المكتوب.

كان ثمة ضغط جسمي ونفسي يُبذَل ليتحقق هذا الشرط، والابتسامة كانت تعلو شفتي التلميذ، وهو يرى آثار خطه، كيف أن السطر ينصاع له كلما تأنَّى، والأكثر من ذلك، حين كان يبتسم له المعلم، لأنه أدَّى مهمته مكللة بالنجاح.

الهيبة المفروضة تلك كانت مطلوبة، وهي سرعان ما كانت تتبدد، لتظهِر وجهها الآخر: البشوش وفقاً لإيقاع سرعة الاستجابة أولاً، ولمدى تقدم التلميذ في الكتابة ثانياً، وكأن السطر لم يعد موجوداً، إشارة تحرره الكامل من سطوة السطر، وربما من رقابة المعلم بالطبع، وأكثر من هذا وذاك، من ضغطه النفسي، أو معاناته مما هو فيه..

لا مكافأة، أو تلويح بالضرب أحياناً أو بالعقاب، أسرع إنجازاً من معرفة النتيجة المتعلقة بدرس الكتابة صفّياً!

السطر: حذار من الانزلاق، ذلك كان الصوت الذي لا ينقطع دويُّه وتردده في ذهن من يتعلم الكتابة، فثمة تجربة مريرة لكنها حاسمة، لا بد من خوض غمارها، ثمة قيادة حرف، واليد المنضبطة هي مقررة مصير صاحبها.

لا احد منا يفتقد علاقة معينة يحتفظ بها لنفسه، عدا عن مشاهد طريفة تلونها، في ذاكرة الأتراب، عما كان يجري في الصراع مع السطر، وكيف ينبغي أن يكون الخط. كل سطر كان يحتفظ بذاكرة خطية معينة تخصنا جميعاً.

إنه تنافس انطلق بصورة لافتة من المدرسة بين المتعلمين، وصار خارج جدرانها، حيث لا يعود السطر معلوماً، إنما يختفي بالتدريج، كما هو شأن الطائر الذي يتقن حرفة الطيران، ليكون في الفضاء الرحب، فيكون لكل منا سطره الخاص به، خطه المعرّف به في الحياة، كل سطر هو خط وهمي، لكنه فعلي، من خلال أثر يمكن تقصّيه، في الفراغ الأبيض، على كل منا أن يظهر نوعية علاقته مع السطر الذي يخصه، وكيف يودعه كلماتِه المسطورة.

إن القدرة على الكتابة الإبداعية، وحتى في نطاق الفن، لا تعدو أن تكون بحثاً دؤوباً عن سطور تمتًلأ بطريقة توحي إلى اكتشاف منتظر ما، من خلال لذة المرئي، ومتعة الشعور بالأثر، حيث الآخرون يفصحون عن ذلك.

في الفن الذي ينسّب إليه ما يخص أنشطتنا المختلفة، تتنوع السطور تباعداً وتقارباً، تخضع لتحريفات مقصودة، لحالات كسر، لانحناءات، إنه السطر ذاته وقد أخذ مداه اللامتناهي في حياة المعنيّ، وقد اختفى كلياً، أو يكاد. وما يثير الهزء هو من يحاول الالتزام بالسطر كما هو معَد له، كما لو أنه لم يتحرر بعد من سطوة الخط، لم يفطم كتابياً بعد، ليكون أهلاً للكتابة الحرة. السطر اللامرئي والذي يحدثه أي منا في فراغ ورقي، أو أي فراغ يستقبل الكتابة تلقائياً، استناداً إلى رصيد خبراتي، وما فيه من عنصر المباغتة أحياناً، هو الشاهد على حِرَفية الكتابة.

الخروج على السطر، خارج إمرته، وتأكيد الذات، سعي نفسي، رهان المرء، وسط شبكة من السطور التي تحيط به: بنا، إنه حوار من نوع آخر مع السطر الموسوم مجازياً،لا يتوقف بما أن ثمة حياة تتنفس فينا، أن إبداعاً يكون في انتظار أهليه، ليكون للحياة طعم مغاير، يهب السعادة لمن لديه إرادة التحليق خارج نطاق السطر الضيق.

إن تطعيم الملء بفراغات مبتكرة، ليمثل ارتحالاً جمالياً واسع المدى لسطور ترن صحبة ظلال المبدع الوارفة! الموهوبون بامتياز لديهم طاقة مضاعفة، استكشافية لسطور غير مألوفة، تتناثر إيقاعات تخص الصوت، كما تقول النوتة، وقد خرجت عن صمتها، كما هي اللوحة الفنية، وقد أحالت جملة سطور متخيلة ألوانا.

وما في ذلك من حس مكاني معزَّز بالتناغم الخاص، لتكون القدرة على المزيد من الإبداع والعطاء الحياتيين، متمثلة في توسيع المسافة الفاصلة بين سطر وآخر، في عدم التفكير في السطر على أنه سطر، إنما بذرة وقد نمت وشكلَّت كائنها الإنسي، وشكَّل هو ما يدل عليه: سطره المتلون شاهد عيانه، والذي ليس في وسع أي كان التحرك عليه سواه!

إبراهيم محمود