الماكياج اصطلاح جديد وشائع اليوم في حياتنا المعاصرة، وبكثرة لافتة. نجده في التلفزيون والسينما وصالونات التزيين والتجميل النسائيّة والرجاليّة، ودور الأزياء، والمسرح ومراكز الأناقة المتعددة المسميات. ونجد الماكياج وعناصره ومواده وأدواته، في المحال التجاريّة البسيطة المتواضعة كالدكاكين والأركان الصغيرة والبسطات.
وفي المولات الكبيرة، حيث تتوزع طوابقها العديد من الأركان المتخصصة بمنتجات، أشهر وأكبر شركات الماكياج العالميّة. كما أصبح في كل بيت تقطنه فتاة أو امرأة، خزانة ورفوف ملأى بصنوفه المختلفة. بل لقد أصبح الماكياج قرينة وجود الأنثى والرجل على حد سواء، في عصر المظاهر والأشكال الحسنة التي باتت بوابات الدخول إلى العوالم المغلقة، عاطفية كانت، أم اجتماعيّة، أم سياسيّة... الخ. (الماكياج) يعني بشكل عام، فن التزيين والتجميل والأناقة والمظهر الحسن، ويطول عادةً، وجه الإنسان بتضاريسه وعناصره كافة بدءاً من الشعر، وانتهاءً بالشفاه والخدود والعيون والحواجب والأهداب، والأنوف والآذان.
وللأهميّة المتزايدة للماكياج تحول إلى فن قائم بذاته. له خبراؤه واختصاصيوه ومشاهيره، وبات مطلوباً ومرغوباً، لا سيما لدى فئة الممثلين والمطربين والمذيعين والسياسيين. كما أصبحت له مدارسه ومعاهده ومراكزه وجامعاته التي تقوم بتدريس علومه وأصوله وطرقه ومقوماته المثاليّة. كما صارت له مجلاته التخصصيّة ونشراته وإعلاناته التي تلاحق آخر كشوفاته وإضافاته الجديدة، على صعيد مواده ومستلزماته وأدواته المختلفة، وأخيراً أضيفت إلى الماكياج مهمة جديدة هي استعادة الشخصيات التي طواها التاريخ البعيد والقريب، وغيبها الموت، وتقديمها على شاشة السينما أو التلفاز، أو فوق خشبة المسرح، من خلال مقاربة بين ملامح هذه الشخصيّة وملامح شخصيّة الممثل الذي أوكلت إليه مهمة لعب دورها.
وهذه الشخصيّة، قد تكون سياسيّة أو اجتماعيّة أو علميّة أو فنيّة أو اقتصاديّة، وذلك عبر نوع من الإيهام القادر على استحضارها، بأقصى ما يمكن من التطابق والواقعيّة والشبه بين الشخصيّة الأصل، وبين الشخصية التي تلعب دورها، استناداً إلى العلامات الفارقة في الشخصيّة المُستعادة أو المُستحضرة، وإلى بعض الأشياء الأخرى اللصيقة بها كنوع وأشكال وألوان الثياب والحلي وأغطية الرأس وتسريحة الشعر والأدوات الخاصة التي كانت تستعملها والمرتبطة بها وبشخصيتها وعصرها، وكل ذلك بهدف وضع المتلقي في الإطار الصحيح والمقنع للشخصية وعصرها، سواء من خلال ملامح الوجه، أو الثياب، أو الرموز والإشارات أو عبر محرضات ومؤثرات صوتيّة وشكليّة قادرة على جعله يتفاعل مع الشخصيّة ويعيشها بصدق.
هذا الدور أو المهمة، من أصعب الوظائف التي تصدى لها فن الماكياج في عصرنا والذي تفرع عنه فن آخر هو «فن الوجه» أو ما يُعرف باصطلاح « الماسك» أي القناع وتزداد صعوبة هذه المهمة كلما كانت الشخصية المستعادة معروفة ومشهورة ومتداولة لدى شرائح واسعة من الناس، كالسياسيين البارزين، والفنانين المعروفين والمشهورين الذين روجت لهم وسائل الإعلام المختلفة وعممتهم بحيث دخلوا كل بيت وأسرة، ثم غابوا نسبياً مع مغادرتهم الحياة، إذ ظلوا يطلون عليها، بين الحين والآخر، عبر فيلم سينمائي، أو مسلسل تلفزيوني، أو أغنية مسجلة بالصوت والصورة، أو عبر إعلام مقروء كالصحف والمجلات.
أما بالنسبة للشخصيات المغمورة وغير المعروفة كملامح وشكل، فتبدو مهمة الماكياج أسهل وأبسط وأيسر، لا سيما مع الشخصيات المستعادة من عمق التاريخ البعيد، حيث لا يوجد ما يدل عليها وعلى خصائصها الخلقيّة، سوى وصف الرواة والمؤرخين. وتكون المهمة بين بين، إذا ما انوجدت رسوم وصور أو تماثيل، للشخصيات المستعادة، حيث يمكن الاتكاء عليها، في مقاربة شخصية الممثل بالشخصيّة المستعادة.
في حال عدم وجود ملامح محددة للشخصيّة، يجتهد فنان الماكياج بلملمة عناصر الشخصية وملامحها، وتالياً استحضارها في الممثل، من خلال دراسة المرحلة التي عاشت فيها الشخصيّة، ثم يقوم بوضع تصوراته لها، مقارباً أوصافها وخصائصها قدر المستطاع اعتماداً على ما دونه المؤرخون عنها، وعلى خياله وما جمع من وثائق حولها. في هذه الحالة، على المتلقي قبولها كما رتبها واستحضرها فنان (الماكياج) دون اعتراض أو تشكيك في مدى مطابقتها للشخصية الأصلية أم لا، ذلك لأن المتلقي في الأساس، لا يملك في ذاكرته البصريّة ما يقارنها به.
أمثلة ونماذج
تنبهت السينما العالميّة، وفي وقت مبكر، إلى أهميّة الأفلام التاريخيّة، فنفذت ـ على سبيل المثال ـ السينما الإيطاليّة، مجموعة كبيرة من الأفلام حول الحضارتين الرومانيّة والإغريقيّة، وجسدت أساطيرها. وهو ما فعلته السينما الأمريكيّة، حيث وثقت الأحداث الهامة في تاريخ الولايات المتحدة، لا سيما حيثيات الحرب الأهليّة بين الشمال والجنوب، والصراعات العرقيّة «الهنود الحمر والزنوج».
الأمر نفسه، فعلته المسلسلات التلفزيونيّة، حيث حاولت استعادة جوانب من التاريخ القديم والحديث. وفي بلادنا العربيّة، نشطت خلال العقود القليلة الماضيّة، المسلسلات التاريخيّة التي حاولت استحضار شخصيات مفصليّة في هذا التاريخ، كخالد بن الوليد، والزير سالم، وصلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، وعنترة بن شداد، وجمال عبد الناصر، والملك فاروق، ونزار قباني، وأسمهان... الخ.
على الصعيد العالمي، تصدت مجموعة من الأفلام السينمائيّة لشخصيات محوريّة سياسيّة ودينيّة وثقافيّة عديدة، منها يوليوس قيصر، وهرقل، وسبارتاكوس، والدكتور زيفاكو، وراسبوتين، ولينين، وهتلر، وشكسبير، وفان كوخ، وبيكاسو، وسلفادور دالي، وفريدا كاهلوا... وغيرهم الكثير.
لقد حاولت هذه الأفلام والمسلسلات، تجسيد هذه الشخصيات البارزة والمؤثرة، في التاريخ الإنساني، بأقصى ما يكون من المقاربة والتوثيق لها شكلاً ومضموناً، ولتحقيق ذلك، جهد المعنيون بهذه الأفلام والمسلسلات، في البحث عن الممثل الشبيه، أو الأقرب إلى الشخصيّة المعالجة، لإسناد الدور لها، ذلك لأن هذا الأمر يوفر على فنان (الماكياج) جهوداً جبارة، ويسعفه كثيراً، في استحضار الشخصية، ومنحها مصداقيّة وثائقيّة فاعلة ومؤثرة، ستسهم بقوة، بنجاح العمل وانتشاره.
من هذه الأفلام نذكر، الفيلم الذي أنجز حول حياة الفنانة التشكيليّة المكسيكيّة الشهيرة (فريدا كاهلو) زوجة الفنان المكسيكي الأشهر (دييجو رفييرا) رسام الجداريات المثير للجدل.
قامت الممثلة اللبنانيّة الأصل (سلمى حايك) بدور (فريدا) والممثل (ألفريد مولينا) بدور (رفييرا). الاسم الكامل لهذه الفنانة هو (ماجدولينا فريدا كاهلو) وهي من مواليد عام 1907 في المكسيك لأب من أصل ألماني. تعرضت لحادث أثناء رجوعها من المدرسة إلى منزلها ما اضطرها لإجراء 32 عملية جراحيّة لتتخلص من الموت أولاً، ومن الشلل ثانياً.
أثناء ذلك، تبدت موهبتها في الرسم فاتجهت إلى الحياة بكثير من التفاؤل والسعادة، غير أن نكسة ثانية كانت في انتظارها هي زواجها من (دييجو رفييرا) التي طغت شهرته على فنها وعليها، كما فشلت في محاولاتها الكثيرة لإنجاب طفل منه بسبب تداعيات الحادث والعمليات الجراحيّة التي أجريت لها.
يُضاف إلى ذلك عدم إخلاص زوجها لها، وكثرة علاقاته النسائيّة التي طاولت أختها (كرستينا) ما دمر نفسيتها، وكرس تعاستها، وزاد من هواجسها. وهذه الإرهاصات انسكبت في فنها، ثم في سلوكها، حيث انكبت على الكحول، واسترجلت بارتداء ثياب الرجال وتقليدهم، واستمرت معاناتها هذه حتى وفاتها عام 1954.
المسلسلات التاريخية استفادت بكثرة من الماكياج
نشطت في البلاد العربيّة خلال العقود القليلة الماضيّة، المسلسلات التاريخيّة التي حاولت استحضار شخصيات مفصليّة في هذا التاريخ، كخالد بن الوليد، والزير سالم، وصلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، وعنترة بن شداد، وجمال عبد الناصر، والملك فاروق، ونزار قباني، وأسمهان... الخ.
شخصيات سياسية
تصدت مجموعة من الأفلام السينمائيّة على الصعيد العالمي لشخصيات محوريّة سياسيّة ودينيّة وثقافيّة عديدة، منها يوليوس قيصر، وهرقل، وسبارتاكوس، والدكتور زيفاكو، وراسبوتين، ولينين، وهتلر، وشكسبير، وفان كوخ، وبيكاسو، وسلفادور دالي، وفريدا كاهلوا... وغيرهم الكثير.
د. محمود شاهين



