«في إحدى ليالي الصيف الحارة، وبالتحديد يوم الجمعة 13 أغسطس فيما يقارب الساعة الثالثة إلا ربع بعد الظهر، وقعت في الحب»، الجملة الأولى التي اشتهرت بها رواية «عمي نابليون» للكاتب الإيراني إيرج بيزيشكزاد.
وقد اعتبرت تلك الرواية من أهم الأعمال الأدبية الإيرانية لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بشهادة النقاد في وطنه والغرب.
ولد إيرج بزشكزاد في طهران عام 1928 ودرس في وطنه ثم فرنسا، حيث نال شهادة في الحقوق وعمل كقاض في إيران لمدة خمس سنوات قبل التحاقه بوزراة الخارجية، حيث عمل كدبلوماسي حتى اندلاع الثورة الإيرانية.حيث استقر في فرنسا بعدها وعمل كصحافي، بدأ إيرج الكتابة عام 1950 من خلال ترجمة أعمال فولتير وموليير إلى الفارسية وكتابة القصص القصيرة للمجلات. وتضمنت رواياته «حاجي مام جعفر في باريس» و«ماشاالله في محكمة هارون الرشيد» و«عمي نابليون». كما كتب العديد من المسرحيات والمقالات عن الثورات الفرنسية والإيرانية والروسية.آخر رواية صدرت له «عائلة ناك أخطر» إلى جانب سيرة حياته. وحصد لدى نشره روايته «عمي نابليون» عام 1973 شهرة في وطنه كظاهرة ثقافية للأدب الإيراني الكلاسيكي المعاصر، نتيجة تصويره لحياة المجتمع برؤية نقدية.
حولت الرواية التي كتبها بأسلوب كوميدي ساخر إلى مسلسل تلفزيوني استأثر باهتمام ومخيلة أمته بأسرها. وباتت قصة العمل بمثابة مرجع لنماذج من شخصيات الواقع التي يضرب بها المثل بين العامة.
وقال بزشكزاد في لقاء صحافي انه استوحى شخصية العم نابليون، من أحد أعمامه الذي كان مهووسا بتاريخ نابليون بونابرت، والذي بدأ يعاني بالتدريج من اختلاط الواقع بالوهم. وعرض لدى سؤاله عن قضية الكتاب الإيرانية في المنفى رؤيته الشخصية ومفادها، «تعتمد جنسية الكاتب على اللغة التي يختارها للتعبير عن أفكاره.
وعليه فإن الكاتب الإيراني المنفي الذي يكتب بلغته الأم هو إيراني، أما الذي يفضل التعبير باللغة الانجليزية أو الفرنسية فهو ليس بكاتب إيراني. فقد تم عبوره للجسر مثل سلمان رشدي».
علي عكس معظم كتاب المنفى يرى بزشكزاد أن انتزاع الكاتب من بيئته الطبيعية يفقده الإلهام الذي يحتاجه للإبداع. كما يقصيه عن تفاعل المحيط مع أعماله. ويؤكد أن كتاب وطنه المنفيين لم يقدموا شيئا يذكر للأدب منذ سبعة عشر عاما.
وقد نال شهرته في الغرب لدى ترجمة روايته «العم نابليون» للغة الانجليزية عام 1996، من قبل الانجليزي ديك ديفيس الذي يعتبر عاشقا للحضارة والثقافة الإيرانية، حيث عاش في إيران كوطن ثان له حينما كان في العشرينات من عمره، وبالتالي استطاع الحفاظ على روح العمل في ترجمته.
ويلخص بزشكزاد اسلوبه في الكتابة بقوله، انه على الرغم من تناوله في أعماله للتراجيديا التي تستدر دموع القارئ، إلا أنه لا يسمح لتلك الدموع بالانهمار، ويحول دون ذلك من خلال جرعات من الضحك التي تأتي في مواقف لا يتوقعها القارئ.
تتناول الرواية قصة حب شاب لابنة عمه ليلى في مرحلة المراهقة، وتتمحور حول الأحداث التي تدور بين العائلات الثرية الثلاث التي تعيش متفرقة في بيت كبير ملك العم نابوليون في فترة الأربعينات.
والشخصيات الرئيسية في القصة كل من العم الذي يكن إعجابا بلا حدود للقائد والإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت والذي اكتسب لقبه منه، وخادمه ماش قاسم الذي خاض معه عدة معارك.
والعم ضابط متقاعد يعيش في ذكريات مغامراته في الماضي من معارك وحروب ومناوشات مع الجيوش البريطانية والقبائل المتمردة خلال الحرب العالمية الأولى. وتشابه شخصية قاسم «سانشو بانزا» خادم سيده دون كيخوتة. ويتميز الخادم بصدقه ومداخلاته في كل موضوع وسرعة بديهته في الرد على أي سؤال.
أما العم نابليون فيعيش في عالمه المتخيل، الذي يؤكد عليه من قبل خادمه والآخرين. وبالتدريج يصل إلى قناعة أنه الشخص الأكثر أهمية. وخلال احتلال القوات البريطانية والسوفييتية لإيران عام 1941، يعتقد أن الانجليز يطاردونه ويكتب رسائل لهتلر طالبا مساعدته.
وتأتي صور هذيانه في نسيج كوميدي ضمن محيط عائلة كبيرة تسودها الخلافات والمجادلات سواء على الصعيد الاجتماعي أو السياسي.
يسلط بيزيشكزاد من خلال الأحداث على شرائح عديدة من أفراد المجتمع الإيراني، مثل شخصية العم أسدالله الرجل اللامبالي العاشق للنساء، الذي ذهب مرة في رحلة إلى سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة وأمضى وقتا جميلا.
وهو محل ثقة الراوي الشاب المغرم بابنة عمه ليلى. ويشجعه أسدالله على مواجهة عمه نابليون الذي يصر على تزويجها من قريب آخر بسبب خلافات عائلية.
كما تضم الرواية شخصيات مثل والد الرواي الذي يبقى على خلاف دائم مع العم والمحققين في الشرطة وضباط الحكومة والزوجات والطبيب واللحام والخدم ومنظف الأحذية.
وما يثير دهشة القارئ أن ادعاءات العم تتناسب دوما مع متطلبات المرحلة. فعلى الرغم من انحيازه للملكية خلال الدستورية، فإنه يرى نفسه كبطل دستوري عظيم. وتمثل شخصيته جميع شخصيات المجتمع الفارغة من طبقته، بما في ذلك خوفه من البريطانيين وقناعته أن المؤامرات تحاك من حوله، مثل اعتقاد عدد كبير من الناس في إيران أن الحكومة الإيرانية تدار من قبل قوى خارجية. ويرى الكثير من النقاد أن هذه الرواية تعكس الواقع السياسي الحقيقي لإيران ابتداء من العم نابليون وانتهاء بأصغر الشخصيات في الرواية.
الكتاب: عمي نابليون
تأليف: إيرج بيزيشكزاد
الناشر ميج للنشر لندن 1996
الصفحات: 507 صفحات
Uncle Napoleon
Iraj Pezeshkzad
Mage Pub - UK 1996
.P705
رشا المالح

