يتحدث ريشارد روسكين في كتابه «الموسيقى في القرن التاسع عشر» عما يسميه «البلاغة الموسيقية» في القرن التاسع عشر والتي «تحوّلت» بسرعة إلى نوع من الخطاب السياسي أو للتعبير عن المعارضة أو أداة لإشاعة مشاعر الرفض والدعوة إلى الثورة.

لكن بالمقابل يمكن للموسيقى أن تخدم من أجل إصباغ الشرعية على السلطة وضمان تلاحم المواطنين في بوتقة النظام العام السائد. وبيتهوفن استغلّ في سمفونيته القوة الإيحائية للغة الموسيقية من أجل تحقيق حلمه. ورأى فيه الشعب النمساوي أيضا «بطلا مدنيا» جسّد العظمة الوطنية وبلور التطلعات التي تعبّر عن الثروة الثقافية للبلاد.

وتتم الإشارة إلى أن العديد فسّروا السمفونية التاسعة لبيتهوفن على أنها مثلت تبجيلا للحرية الإنسانية. هذا خاصة أن مؤلفها كان قد أظهر قبل ذلك ابتعاده عن السلطة السياسية القائمة.

هذا على قاعدة القول أن الفنان قريب من الشعب ومن الأمة لكنه بعيد بالمقابل عن السلطة. وانطلاقا من حالة بيتهوفن وسمفونيته التاسعة الشهيرة يتم طرح رهانات العلاقة بين الموسيقى والسياسة في القرن «التأسيسي» للموسيقى الغربية المعاصرة، أي القرن التاسع عشر.

وبالإجمال ظهرت الفكرة السياسية بمثابة الكشف عن المعنى العميق لمختلف الأعمال الموسيقية التأسيسية لكبار مبدعي ذلك القرن الذين لا يزالون يحتلون المراكز الطليعية في الموسيقى حتى اللحظة الراهنة.

والفكرة العامة للموسيقى يتم تحديدها في إطار تحليلات هذا الكتاب على أنها تمثل اللغة الكونية التي يجد البشر أنفسهم معها بعيدين عن بؤس العالم، ذلك أنها «المكان» الذي يتم فيه التعبير بامتياز عن الحرية الفردية وعن تطلعات الشعوب في حالات كثيرة. وبهذا المعنى يمكن اعتبار أن الموسيقى قد خدمت كأداة بيد السياسة وبتحديد أكثر بيد السياسيين. ذلك على الرغم من أنها إبداع فردي، ولكنه إبداع فردي محكوم بخيارات ذات طابع سياسي.

وإذا كان اهتمام ريشارد روسكين ينصبّ على القرن التاسع عشر تحديدا، فإنه يقدم في واقع الأمر تأريخا لمجمل الحركة الموسيقية الأوروبية مشيرا إلى بداياتها في الموسيقى لدى اليونانيين القدماء، وفي الإبداع الموسيقي خلال القرن الثامن الذي عرف الانتقال من التقاليد الموسيقية الشفوية تماما إلى تقاليد التدوين الموسيقي التي استمرت حتى أواسط القرن العشرين مع وصول حركة تأليف الموسيقى الالكترونية و«عبقرية» الانترنت الذي تجاور التأليف الموسيقى «المكتوب».

ويولي ريشارد روسكين في كتابه الضخم أهمية خاصة للموسيقى الروسية ، ويؤكد على الدور الهام الذي لعبه «فلاديمير ستاسوف» في المساهمة بكل ما يتعلق بالموسيقى والفنون في روسيا خلال القرن التاسع عشر وتفنيده لفكرة الروح القومية الروسية كما تجلّت في الموسيقى. كما يدرس المؤلف في نفس السياق الاوبرا الروسية، خلال سنوات الستينات في ذلك القرن، ذلك على اعتبار أن تلك الفترة يتم إهمالها عامة في الدراسات التاريخية للموسيقى الروسية.

ويكرّس ريشارد روسكين في سياق دراسة الموسيقى الروسية في القرن التاسع عشر عددا هاما من الصفحات للتعريف بما يسميه «سترافنسكي والتقاليد الروسية»، والذي شكل عنوان أحد كتبه السابقة. وهو يشرح هذا الدور بالعلاقة مع التقاليد الروسية الفكرية والفنية والثقافية والاجتماعية واللغوية وبالطبع الموسيقية. ويبيّن في جميع الحالات مدى الثراء الذي شكّلته «الأغنية الفولكلورية» الروسية لموسيقى سترافنسكي التي كانت الأكثر نفوذا في عصرها.

ويتم تحديد أهم سمات موسيقى سترافنسكي بإيجاد تقنية جديدة تحديثية جمعت بين الأغنية الشعبية والتقاليد الروسية واستبعدت تماما المظاهر «الأوروبية» الموسيقية، وخاصة التقاليد الرومانسية التي كانت قد ظهرت في بريطانيا بأواخر القرن الثامن عشر واستمرت خلال القسم الأكبر من القرن التاسع عشر.

وكانت تعبيرات الرومانسية قد تبدّت في الرسم والأدب وفي الموسيقى، خاصة من خلال بيرليوز وبتهوفن وفاغنر الألماني وفيردي الإيطالي وجياكومو بوشيني الإيطالي أيضا وشارل غونو الفرنسي. هؤلاء جميعا قدّموا ما يضعه المؤلف تحت عنوان «الاوبرا الرومانسية».

المؤلف في سطور

يُعتبر ريشارد تاروسكين من أهم الباحثين المعاصرين في تاريخ الموسيقى ، وهو أستاذ هذا التاريخ في جامعة كاليفورنيا. من كتبه: «سترافنسكي والتقاليد الروسية» و«تاريخ اكسفورد للموسيقى الغربية»، الخ.

الكتاب : الموسيقى في القرن التاسع عشر

تأليف: ريشارد تاروسكين

الناشر: جامعة اكسفورد لندن 2009

الصفحات: 928 صفحة

القطع: المتوسط

Music in the nineteen century

Richard Taruskin

Oxford University Press 2009

928P.