هل هناك سياسة أوروبية خارجية؟ على هذا السؤال يجيب جيروم كويشلان، الصحفي والمراسل الحربي السابق والخبير بالشأن الدولي بكتاب يحمل عنوان «السياسة الخارجية الأوروبية».

وما يؤكده منذ البداية هو أن الاتحاد الأوروبي الذي يضم اليوم 27 دولة غدا قوة «كاملة الأهلية والحقوق» على المسرح الدولي. إنها تجسّد «القوة الهادئة»، وتعطي الأولوية في مقاربتها للسياسة الخارجية وللعلاقات الدولية على أساس الاعتماد أولا وجوهريا على القانون الدولي، مع اللجوء إلى المفاوضات.

ومن أجل أن يكون دورها فاعلا، خاصة في الجوار الجغرافي القريب مثل البلقان وجيورجيا والشرق الأوسط لجأت إلى امتلاك الأدوات الدبلوماسية والعسكرية التي تضمن وجودها على مسرح الأحداث. ونفس التوجه هو الذي لجأت إليه فوق الأرض الأوروبية أيضا.

هذه الأفكار والمقولات يقوم المؤلف في شرحها وتفيدها على مدى الفصول السبعة التي يتألف منها الكتاب، والموزعة بين قسمين يحمل الأول منهما عنوان: «أوروبا، قوة هادئة»، والثاني عنوان: «أوروبا أمام امتحان النزاعات». والقسمان مسبوقان بمقدمة يشرح فيها المؤلف مفهوم «القوة الهادئة» والذي تترجمه أوروبا في رؤيتها لقضايا العالم ومحاولة معالجتها لها على أساس نمط «موديل» جديد للقوة يقوم بدوره على قيمها ومفاهيمها للعلاقات الدولية.

وما تتم الإشارة إليه هو أنه لا توجد «رسميا» أية سياسة خارجية موحّدة. لكن الاتفاقية التي تمّ التوصل إليها في «مستريشت» عام 1992 أعطت صفة المؤسسة لمفهوم إيجاد «سياسة خارجية وأمنية» مشتركة تتم ممارستها عبر عمليات إجرائية تتفق حولها الدول الأعضاء وإذا كانت كل دولة ـ عضو في الاتحاد الأوروبي تحتفظ دائما بسيادتها الكاملة قيما يتعلق بمجال سياستها الخارجية.

ويتم التذكير هنا بالاختلاف الكبير الذي عرفته مواقف الدول الأوروبية حيال الحرب الأخيرة ضد العراق في ربيع عام 2003. ولا يتردد المؤلف في وصف المواقف التي اتخذتها الحكومات الأوروبية المعنية أنها كانت متباينة إلى درجة التناقض الكامل أحيانا. ففي الوقت الذي عارضت فيه كل من فرنسا وألمانيا وبلجيكا التدخل العسكري في العراق إلا بعد القيام بكل الجهود الدبلوماسية الممكنة وبالموافقة الكاملة لمجلس الأمن الدولي، فإن بعض الدول الأوروبية مثل انجلترا وبلدان أوروبا الوسطى والشرقية، الشيوعية سابقا، قد اتخذت موقفا مؤيدا لتلك الحرب.

ويرى جيروم كويشلان بالاتفاقية الأوروبية «الدستورية» المبسّطة ، التي وافق عليها رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي ال27 في نهاية عام 2007 بعد فشل التصديق على الدستور الأوروبي عام 2005 بسبب رفض الفرنسيين وبعدهم الهولنديين له في استفتائين شعبيين، تفوّقا على صعيد الوصول إلى درجة أعلى من التنسيق على صعيد السياسة الخارجية الأوروبية.

ذلك عبر خلق منصف وزير خارجية الاتحاد الأوروبي ـ الذي يتولاه عمليا خافير سولانا ـ بحيث يقوم المجلس الأوروبي بتعيينه على أساس الأغلبية المؤهّلة مع موافقة رئيس المفوضية الأوروبية، وهو مكلف بتعزيز حضور الاتحاد الأوروبي على المسرح الدولي باعتباره المفوّض المكلف بالعلاقات الخارجية للاتحاد. وهو أيضا الذي يقود السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية المشتركة التي نصّت عليها اتفاقية مستريشت ويحق له القيام بمبادرات.

لكن بالمقابل ليس هناك ما ينصّ على أن تقوم دول الاتحاد الأوروبي بتحويل قسم من سيادتها في مجال السياسة الخارجية إلى المؤسسات الأوروبية المشتركة. ولا تزال القرارات الخاصة بميدان السياسة الخارجية الأوروبية تُتخذ بالأغلبية. لكن وفيما هو أبعد من الصيغ الدستورية ينبغي العمل كي تجسّد أوروبا «قوة هادئة» انطلاقا من كون أنها قوة إقليمية كبيرة وبالتالي هي أيضا قوة دولية.

ويتم التعرّض في الفصول الأخيرة من الكتاب إلى دراسة الكيفية التي جرت على أساسها مقاربة السياسة الخارجية الأوروبية في عدد من الحالات العيانية مثل البلقان والشرق الأوسط وتركيا «الموزعة بين عالمين»، كما يتم توصيفها، وفي جيورجيا وحيال أزمات أفغانستان ودارفور وحيال الأزمة المالية العالمية الراهنة.

وفي المحصلة يشكل الكتاب رؤية شاملة «بانورامية» للسياسة الخارجية الأوروبية منذ عقد التسعينات الماضي، ودراسة لآليات عملها في الواقع الملموس وحيث يصل المؤلف إلى القول إن هذه السياسة الخارجية ضرورية من أجل إقامة «توازن عالمي جديد».

الكتاب: السياسة الخارجية الأوروبية

تأليف: جيروم كويشلان

الناشر: انفوليو باريس 2009

الصفحات: 155 صفحة

القطع: المتوسط

La politique étrangère de l'Europe

Jérôme Koechlin

Infolio - Paris 2009

155P.