يروي اوين ماتيوس في كتابه «أطفال ستالين» أن جدّه الذي كان لفترة من الزمن أحد مسؤولي شركة كبرى لصناعة الجرّارات الزراعية شرع بتنفيذ الخطّة المعروفة بـ «ليالي العاصفة« في عمل لا يتوقف من أجل تحقيق أهداف مرسومة كانت مستحيلة في الواقع العملي. وكان قد أظهر إخلاصه للقضية عبر تسمية ابنته الأولى لينينا، تيمّنا بـ «الرفيق» فلاديمير إيليتش لينين.
لكن مع ولادة ابنته الثانية، والدة المؤلف، كانت الشكوك قد بدأت تتسرّب إلى أعماقه فيما يخصّ النهج والطرق التي يمارس فيها جوزيف ستالين الحكم. وزادت شكوكه مع المجاعة التي ترتبت على ذلك النهج عام 1931. وبناء على ذلك أن جرى اتهامه بالمعارضة في أواسط عقد الثلاثينات فكان من بين الذين شملتهم التصفيات خلال تلك الفترة.ويشير اوين ماتيوس في هذا السياق إلى أنه استطاع الاطلاع عام 1995 على الأراشيف القديمة في القيادة العامّة لجهاز الكا جي بي السوفييتي في اوكرانيا وعرف الاتهامات التي كان جدّه لأمّه بوريس بيبيكوف يواجهها. لقد كان يواجه اتهامات باقتراف كل الشرور الكفيلة بصدور حكم الإعدام لشخص جرى فجأة اكتشاف أنه من ألدّ أعداء الثورة. وكان مصير الجدّة «مارتا» هو الإرسال إلى معسكرات الاعتقال لتصبح ابنتيهما يتيمتين تماما بين عشية وضحاها. أمّه «لودميلا»، الابنة الأصغر عرفت وهي في طفولتها الأولى التشرّد وآلام الحرب العالمية الثانية وبقيت على قيد الحياة بأعجوبة.
لقد كانت إرادتها في الحياة أقوى من كل شيء، من مرض الجدري إلى المجاعة، «كما نقرأ. ثمّ يضيف المؤلف :«إن أناسا سوفييت عاديين صنعوا المعجزات في كل مكان»، كما كانت تقول كلمات أغنية شعبية روسية شاعت خلال سنوات الثلاثينات من القرن الماضي والتي كانت والدته ترددها بشيء من السخرية غالبا عندما كانوا يواجهون أية عقبة بيرقراطية.
وافترقت «لودميلا»عن أختها أثناء هربهما عبر السهوب الروسية والانتقال من ملجأ للأيتام إلى آخر ومن مستشفى تنقصه كل وسائل العناية الصحيّة إلى غيره من نفس المستوى. ثمّ التحقت أخيرا في بداية شبابها بجامعة موسكو حيث تعرّفت بوالد المؤلف «ميرفن» الإنجليزي المولع بروسيا. لقد كان آنذاك طالبا أيضا في جامعة اكسفورد.
لقد استمرّت قصّة حبهما طيلة ست سنوات لم يلتقيا فيها، بل كانا يتبادلان الرسائل يوميا تقريبا. وقد خاضا بعد ذلك معركة حصول «لودميلا» لتأشيرة الخروج من الاتحاد السوفييتي حيث عرضوا عليه في موسكو التعاون مع جهاز الاستخبارات السوفييتي الشهير الكا جي بي كثمن لذلك، لكنه رفض بشكل قاطع. وأخيرا تحقق الخروج وأصبحت والدته أحد أبرز المعارضة الفكرية للنظام السوفييتي في العاصمة البريطانية.
إن اللحظات الصعبة التي عاشها «أطفال ستالين» عديدة ومريرة. ولم تتوقف فيما يخص والده ووالدته بالعيش في لندن. ذلك أن الأجهزة السريّة السوفييتية والأيادي التي عملت في خدمتها كانت «طويلة» وتصل حتى العاصمة البريطانية. ويبدو للمؤلف أن فترة تبادل الرسائل بين والديه كانت هي الأكثر سعادة في حياتهما. نقرأ: «إذا كانت الرسائل المتبادلة بينهما زاخرة بالألم فأنني أعتقد أنها تصف الفترة الأكثر سعادة في حياة والديّ».
وفي المحصّلة العامة يقدّم اوين ماتيوس من خلال قصة ثلاثة أجيال من أسرته وأسرار حياتهم ورسائلهم المتبادلة تاريخ الاتحاد السوفييتي والاستبداد الستاليني وأجهزة القمع التي كانت تسيطر على كل مناحي الحياة خلال الحقبة الستالينية وكانت تقتل على مجرّد الشبهة. ويمثّل الكتاب في أحد وجوهه أيضا رواية جاسوسية بامتياز حيث الكا جي بي وعملائه حاضرين فيه بقوّة.
وهذا الكتاب الذي تمكن قراءته كرواية بينما هو من طبيعة وثائقية والغني بالأحداث والتحقيقات في عمق المجتمع الروسي.
كما يتم في نهاية المطاف «انتشال» ثلاثة أجيال من براثن النسيان. ثلاثة أجيال يغوص المؤلف في حياتها الداخلية وفي خصوصياتها ليكتب من خلال هذا كلّه «التاريخ الكبير»، العام، لروسيا الحديثة.
المؤلف في سطور
اوين ماتيوس هو من أب بريطاني وأم روسية. يعمل مديرا لتحرير مجلة الـ «نيوزويك» في موسكو وكان قد عمل مراسلا لها في العاصمة الروسية خلال سنوات التسعينات المنصرمة. درس التاريخ في جامعة اكسفورد قبل أن يمارس مهنة الصحافة. يعيش مع زوجته وطفليه في اسطنبول.
النزعات القومية
إن معرفة اوين ماتيوس بروسيا ما بعد السوفييتية تشكّلت، كما يقول، عبر عمله في موسكو بعد سقوط النظام الشيوعي مباشرة. ولا يتردد في وصف روسيا اليوم أنها أصبحت «غابة ما بعد الشيوعية». ذلك أنه إلى جانب السواد الأعظم من الشعب البائس يتكاثر الأغنياء الجدد، وتزدهر النزعات القومية من كل نوع وتتم العودة إلى كل أشكال الخرافة.
الكتاب : أطفال ستالين
تأليف: اوين ماتيوس
الناشر: بلومسبوري بوبليشينغ لندن 2009
الصفحات: 320 صفحة
القطع: المتوسط
Stalin's children
Owen Mattews
Bol Omesbury
9002 nodnoL
320P.

