لا يتردد ايمانويل هوغ إلى القول في كتابه الجديد «عام الذاكرة صفر» أن الأزمة ليست فقط أزمة ذاكرة ولكنها أزمة ثقافية بحيث يصل إلى القول أن التجاوزات وأشكال الأزمات الاقتصادية التي يعاني منها العالم اليوم إنما هي قد تولّدت على خلفية أنواع من الخلل الثقافي، ومن غياب «سلّم المرجعيات الأخلاقية» و«نقص الذاكرة».
ويحدد المؤلف أحد مكامن الخطر، بل وأحد التحديات الكبرى التي تواجهها أوروبا في السياق الراهن، هو في الانتقال من ذاكرة دنيوية «علمانية» قائمة على التاريخ نحو ذاكرة أخرى تغذي الدعوات إلى انتهاج سياسات تؤكد على الهوية، والتي تقوم على التركيز على الأصل المسيحي لأوروبا. ويناقش ايمانويل هوغ المسائل المتعلقة بالثورة الرقمية وواقع وجود أكثر من مليار حاسوب في العالم وحيث أن كل مستخدم لواحد من هذه الحواسيب قد يكون «منتجا للذاكرة». ثم إن هذه الثورة الرقمية أدخلت الذاكرة نفسها في «عصر السوق». ذلك بمعنى أنها أصبحت خاضعة لقانون العرض والطلب من حيث أنها تتعلق بشكل كامل ب«اقتصاد المعلومات». هذا في الوقت الذي كانت فيه الذاكرة الفردية، حتى الأمس القريب، مسألة ثقافية ومعرفية. بالتالي كانت تلك الذاكرة تتسم بالندرة ومن هنا كانت قيمتها كبيرة مثل كل ما هو نادر.
ولا تقتصر المشكلة على الكم الكبير من «الموروثات» ولكن على واقع أن كل فرد أصبح هو «منتج ذاكرته الخاصة» وبالتالي أصبح هو المصدر الوحيد الذي يمكن أن ينقلها إلى من يأتي بعده، أي هو الذي يصنع التاريخ. ويصل المؤلف إلى القول أن هذا «الوهم الديمقراطي»، بحيث يكون كل فرد مسؤول عن إنتاج ذاكرته، وما يؤكّد عليه من خصوصية ثقافية، والذي يمثّل نتاجا مباشرا للثورة الرقمية، يؤدي إلى هشاشة إمكانية صياغة ذاكرة جماعية تؤكد وحدة مصائر أولئك الذين ينتمون إلى أمة واحدة. ويكتب ايمانويل هوغ أن «الثورة الرقمية تقدّم إمكانية حفظ كل شيء وبالتالي إمكانية حفظ كل شيء وبالتالي إمكانية ولادة ذاكرة خالدة». لكنه يؤكد بنفس الوقت أن «الطموح الشره» لمعرفة كل شيء وفي الحال «لن يشبع» أبدا. ويبقى الرهان أمام ضخامة المعلومات التي يحتويها الانترنت هو في القدرة على الفرز وعلى الاختيار. هذا هو، برأيه، الرهان الأساسي. كما يتم التركيز ضمن نفس السياق على أهمية إيجاد نوع من «التراتبية» من حيث المعارف المتاحة على شبكات الانترنت. هذه المهمة ملقاة اليوم على عاتق «محرّكات البحث»، التي قد تنقصها الشفافية أحيانا، بينما يُفترض أن تتولّى السلطات العامة هذه المهمة.
ويشرح ايمانويل هوغ أن الإفراط في الذاكرة «يقتل»، بمعنى ما، الذاكرة نفسها، هذا قبل أن يؤكد أن مثل هذا الإفراط يقتل بالأحرى «التاريخ». ويعيد ما يسميه «فقاعة الذاكرة»، على غرار «الفقاعة المالية»، إلى أزمة الهوية التي تجتازها المجتمعات الأوروبية اليوم. ويرى أن «انفجارها» قد يؤدي إلى نتيجتين رئيسيتين. النتيجة الأولى هي «عودة انبثاق حروب الذاكرة»، ذلك أن كل أقلية يمكن أن تطالب بصيانة تاريخها وهويتها الخاصة على مستوى واسع. وقد تكون هذه المطالبة قائمة على مبررات واقعية كان التاريخ، كما جرى، قد طمسها ، أما النتيجة الثانية ل«انفجار فقاعة الذاكرة» فيتم تحديدها بإمكانية حدوث نوع من «فقدان الذاكرة» مع ما يرافق هذا من اضمحلال البعد الثقافي الجماعي لدى الشعب المعني بذلك. ثم إن المستقبل أو المعرفة لن يعود كنتائج للانتقال المنظم للماضي.
المؤلف في سطور
ايمانويل هوغ هو رئيس ومدير عام المركز السمعي-البصري الفرنسي منذ عام 2001، سبق له وقدّم كتابا تحت عنوان: «سوق الفن».
الذاكرة الرقمية
ما يؤكده ايمانويل هوغ هو أن المجتمعات الحديثة دخلت فيما يسميه ب«الذاكرة الرقمية» حيث يمكن تجميع محيط من المعلومات وحيث لا يتم نسيان أي شيء وكأن العالم يعيش في«حاضر مستدام» بالمقابل تعيش أوروبا نظرا للمسار التاريخي الدامي الذي عرفته خلال القرن العشرين مع حربين عالميتين نوعا من «واجب الذاكرة». لكن بالمقابل هناك «حق النسيان» في مجتمع التقنيات الرقمية، وذلك على اعتباره «حقا ديمقراطيا».
الكتاب: عام الذاكرة صفر
تأليف: ايمانويل هوغ
الناشر: سويل
باريس 2009
الصفحات: 207 صفحة
القطع: الصغير
Mémoire année zéro
Emmanuel Hoog
Seuil - Paris 2009
702 P.

